تتحول إحدى الأراضي المجاورة لقرية معرة حرمة بريف إدلب الجنوبي إلى وجهة يومية للأطفال، الذين يحملون الأكياس والدلاء لجمع نبات القبار، أو" الشفلح" كما يُعرف محلياً، أملاً في تأمين دخل يساعد أسرهم على تلبية احتياجاتها.
ويُعدّ الشفلح أو القبار نباتاً برياً ينبت في أشد البيئات جفافاً وقسوة طوال الصيف، حيث يتحدى الصخور والتربة المالحة التي تعجز بقية النباتات عن مجاراتها.
ورغم قيمته العالية، فإن قطافه يمثل تحدياً حقيقياً، إذ تكسوه أشواك حادة تتسبب بخدوش وجروح في أيدي جامعيه.
وبفضل صلابته العالية وقدرته الفائقة على التكيف، فإن القبار ليس مجرد شجيرة شوكية مهملة في الطبيعة، بل ثروة طبية واقتصادية تتهافت عليها الأسواق العالمية.
سباق يومي بين الأشواك لتأمين لقمة العيشفي هذا المشهد اليومي، يعمل الشقيقان اليتيمان تالا وعمار في قطاف الشفلح وبيعه لمساعدة والدتهما في تأمين مصروف المنزل.
يقول الطفل عمار إنه يسعى باستمرار لإيجاد أي عمل يساهم من خلاله في إعالة أسرته، مضيفاً لموقع تلفزيون سوريا: " أعمل في جمع الشفلح خلال موسمه، وفي المواسم الأخرى، مثل موسم الزيتون، أخرج كل صباح لتعفير الزيتون المتبقي على الأشجار بعد الانتهاء من قطافه، كما أعمل في موسم المحلب.
أما اليوم فأجمع الشفلح لأبيعه في مركز داخل القرية"ويبيع عمار الكيلوغرام الواحد من الشفلح مقابل خمسين ليرة تركية، أي ما يعادل تقريباً دولاراً واحداً.
وبسبب طبيعة النبات الشائكة، لا يتمكن هو وشقيقته تالا من جمع أكثر من كيلوغرامين يومياً، في حين تجمع والدتهما نحو ثلاثة كيلوغرامات في اليوم، ليصل إجمالي ما تحصده الأسرة إلى خمسة كيلوغرامات، بعائد لا يتجاوز خمسة دولارات يومياً.
أم تعيل أسرتها.
والعمل لا يتوقف بتغير المواسمتقول والدة عمار إنها تخرج مع طفليها منذ ساعات الصباح الأولى لقطاف الشفلح، حيث يجمعون البراعم قبل تفتحها، ثم يتوجهون عند اشتداد حرارة النهار إلى مركز القرية لبيع ما جمعوه.
وتضيف أنهم يعودون أحياناً قبل غروب الشمس بساعة أو ساعتين في جولة جديدة لجمع المزيد من الشفلح وبيعه مرة أخرى.
ولا يقتصر عملها على جمع القبار، إذ تحرص أيضاً على زراعة الخضروات حول منزلها لتقليل نفقات الأسرة والاستغناء عن شراء جزء من احتياجاتها من الأسواق.
وتوضح قائلة: " أحاول التخفيف من أعباء المصاريف، لاسيما أنني المعيل الوحيد لأطفالي.
أزرع الخضراوات الطازجة لتأمين احتياجاتنا منها، بينما أوفر ثمن الخبز والبقوليات وغيرها من خلال بيع الشفلح، وفي المواسم الأخرى أعمل في (الفعالة) للحصول على دخل يساعدنا على العيش".
ومن جانبها، تقول المسؤولة عن المركز الموجود في قرية معرة حرمة والمختص بشراء الشفلح من الأطفال والنساء العاملين في قطافه، رجاء: " أستقبل يومياً ما بين 50 و100 كيلوغرام من الشفلح.
أشتري الكيلو الواحد بخمسين ليرة تركية، ثم أفرزه وأتخلص من الحبات الكبيرة التي قد تتفتح في الماء، وبعد ذلك أضعه في براميل كبيرة داخل غرفة معزولة عن المنزل لتجنب انتشار رائحته القوية، ثم أنقعه بالماء والملح حتى لا يذبل، وأنتظر قدوم أحد التجار لشرائه وتصديره إلى الخارج".
يستخدم نبات القبار في صناعة الأدوية والمواد الطبية والعلاجية.
وكان الدكتور محمد عبد الجبار قد أوضح، في فيديو نشره عبر حساباته، أن القبار غني بالعديد من العناصر الغذائية المهمة، من بينها الألياف الغذائية، وفيتامينا K وC، إضافة إلى معادن مثل الحديد والكالسيوم والمغنيسيوم والزنك، فضلاً عن احتوائه على مضادات أكسدة قوية، أبرزها مركب الكيرسيتين (Quercetin).
وأشار إلى أن القبار يدعم الجهاز المناعي ويساعد في الحد من الالتهابات، كما أن مركب الكيرسيتين يساهم في تثبيط قدرة بعض الفيروسات، مثل فيروس الإنفلونزا، على دخول الخلايا والتكاثر داخلها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك