وأزعم هنا أن تواضع الرصيد النظري للباحث مصطفى يونس في المعرفة التاريخية، جعله يعجز عن إدراك الفوارق الدقيقة بين «التحديث» بوصفه بناء كميّاً للمدارس، و«الحداثة» بوصفها بناء نوعيّاً للعقول.
وبصرف النظر عن متاهة المفاهيم، فإنه حتى لو سلمنا جدلاً بفرضية الباحث بأن برامج بالبو التعليمية كانت «أصيلة»، فهل يتسق هذا التوصيف مع مفهوم الإصلاح؟ أم التحديث؟ أم الحداثة؟ وفي كل الحالات: مَن الذي كان يقود هذه العمليات؛ النخب (وافدة أو محلية) أم العسكر (جيش أم كتائب)؟لن أخوض في تفاصيل هذا الجدل، بل أفضّل استدعاء رأي الباحثة الإيطالية (دي بسكوالي) التي تشدد على أن ما قام به الاحتلال الإيطالي في ليبيا، ومنذ البداية، لم يكن سوى «تحديث انتقائي»، ركيزته التعليم المهني-العملي، ووظيفته الممنهجة هي منع انتشار «الأسلحة الفكرية» بين الليبيين خشية أن تُشهر لاحقاً في وجه المستعمر.
وبالمناسبة، فإن تركيز الاحتلال الإيطالي على هذا النمط التعليمي المبتور لم يكن ابتكاراً بالبيّاً، بل هو عقيدة كولونيالية طُبقت في وقت سابق في إريتريا؛ فوفقاً لما يذكره المؤرخ الإريتري تكيستي نيغاش (Tekeste Negash): «أنشأت الحكومة الاستعمارية هناك أول مدرسة للفنون والحرف لأبناء الزعماء المسلمين والأعيان سنة 1911، حيث تلقى الطلاب المقيمون تعليماً ابتدائيّاً موجهاً لحرف عملية كالنجارة ودباغة الجلود، بينما اقتصر تدريب الطلاب غير المقيمين (Day students) على الحرف اليدوية البسيطة فقط».
إن هذا التطابق المنهجي بين أسمرة وطرابلس يكشف زيف «الأصالة البالبية» التي روّج لها كتاب «المنفى الذهبي».
وأُكاد أجزم هنا بأن رهان «مصطفى يونس» غير النقدي على نظرية التحديث قد حرمه من ممارسة آلية «مساءلة المصادر»؛ فالمعرفة التاريخية، في تقديري، ليست مجرد وعاء للرصد، بل هي إجابة عن سؤال «المنفى الذهبي».
إجابة وظيفتها الأساسية استنطاق الوثائق الصامتة بطبيعتها، والعاجزة من ثَمّ عن النطق وحدها بالحقيقة.
فالتاريخ، وفقاً لرؤية الفيلسوف والمؤرخ البريطاني آرثر كولينجوود (R.
G.
Collingwood)، ليس مجرد مراكمة للحقائق الميتة، بل هو عملية «استقصاء» (Inquiry) تبدأ دائماً بسؤال يطرحه الحاضر، في سياقنا هذا، عام 2022، تاريخ صدور كتاب يونس، على الماضي، أي الحقبة البالبية (1934-1940).
لقد نبّهنا كولينجوود إلى مبدأ صاغه فرانسيس بيكون (Francis Bacon) في إحدى عباراته الخالدة، ومفاده أن على عالم الطبيعة أن يطرح على الطبيعة سؤالاً؛ وما كان ينفيه بيكون هنا هو أن يتسم موقف العالم تجاه الطبيعة بالاحترام المحض والإنصات السلبي، منتظراً ما تفصح عنه ليتلقفه كحقائق مطلقة.
بل كان يؤكد أمرين متلازمين: أولاً، أن على العالِم أن يبادر، ويقرر بنفسه ما يريد معرفته عبر صياغة سؤال ذهني مسبق؛ وثانياً، أن يبتكر الوسائل والمناهج التي تُجبر الطبيعة على الإجابة.
وهكذا، وضعت هذه الرؤية البيكونية النظرية الحقيقية للعلم التجريبي، وهي ذاتها، وإن لم يدرك بيكون ذلك، النظرية الحقيقية للمنهج التاريخي الصارم.
وعلى النقيض من ذلك، يتخذ المؤرخ في «التاريخ التجميعي» موقفاً بدائيّاً حين يقتصر تعامله مع مصادره على الاحترام والإنصات، منتظراً ما تختار تلك المصادر إخباره به، تاركاً لها حرية التعبير بأسلوبها وفي الوقت الذي يناسبها.
والمدقّق في المتن الذي نقله مصطفى يونس، يخلص إلى أنه وقع في هذا الفخ تحديداً؛ فجاء كتابه أشبه بصدى لما اختارت الأدبيات الإيطالية والأوروبية إخباره به.
وسأكتفي في هذا السياق بالإشارة إلى تسرعه في تبني أدبيات المحتل دون تمحيص؛ ففي الفصل الثاني مثلاً (مشاريع البناء والتعمير في المراكز الحضرية وخارجها)، يستشهد الباحث بأن النسيج العمراني والمعماري في ليبيا قبيل الاحتلال كان «متواضعاً إلى حد كبير، إذا ما قورن ليس فقط بالتقدم العمراني الذي شهدته الدول الأوروبية، بل وأيضاً بالمستعمرات الأوروبية المحاذية لليبيا» (ص.
37).
إن فرضية تفاوت التحديث بين ليبيا وجارتيها (مصر وتونس) ليست بدورها من مبتكرات مصطفى يونس؛ فتفاوت التحديث في ليبيا، في تقدير بعض الباحثين، يعود إلى تأخر تاريخ احتلال إيطاليا لليبيا مقارنة بالهيمنة البريطانية والفرنسية على الجارتين؛ ففي سياق البيروقراطية والإدارة، مثلاً، تؤكد الباحثة الأميركية ليزا أندرسون (Lisa Anderson) أنه بسبب تأخر عمليات التحديث الهيكلي في ليبيا عن الجارة تونس، افتقرت ليبيا إبان نيلها الاستقلال (على عكس تونس) إلى جهاز دولة ثابت وبيروقراطية متجذرة قادرة على احتواء التحولات الاجتماعية.
ولا أعتقد، في واقع الأمر، أن من بين أهداف «مصطفى يونس» مساءلة الوثائق والأدبيات الإيطالية؛ إذ إن مساءلة كهذه تستوجب اطلاعاً، في حده الأدنى، على بعض الأدبيات الطلائعية، كدراسات التابع أو التحتيين (Subaltern Studies)، سيما وأنه يعلن منذ البداية توظيفه لـ«منظور ليبي».
ولستُ هنا بصدد التعليق المطول على مقولة «المنظور الليبي»، باعتباره يشكل في جوهره، وكما أزعم، امتداداً لثنائية كلاسيكية (التحضر مقابل التخلف)، ثنائية تكفّل بتأطيرها دعاة تحديث يقوم على الانتقاء.
فمن حق الباحث، كما أسلفت، أن يتبنى نظرية التحديث؛ فكثيرون غيره في الجارتين، مصر وتونس، تبنوا هذه النظرية منذ القرن التاسع عشر، لكن كان عليه أن يعلن ذلك دون مواربة أو التباس.
ومن جانب آخر، وإذا سلمنا جدلاً بأن ما يعنيه بـ«المنظور الليبي» هو تفكيك العيوب، محلية أكانت أم وافدة، فقد كان حريّاً به الاتكاء على «نظريات النقد العلمي» لتفكيك هذا التراكم المعرفي.
فالاحتلال لم يجلب لبلدان دار الإسلام التخلف من العدم، ولكنه تعمد استدامته ومأسسته؛ من خلال ترسيخ برامج تعليمية وظيفتها القفز على الإرث العقلاني، والانحياز في المقابل لإرث تقليدي غيبي يقوده وجهاء ورجال دين حظهم من العلم الحديث قليل.
يقول مصطفى يونس إن بالبو «كان يدرك جيداً كيف أن بعض التقاليد الاجتماعية المحلية كانت قديمة جدّاً بالنسبة للعرب الليبيين، وأنها متجذرة بعمق في إطار المجتمع؛ لذلك كان البديل هو التعامل مع هذه القضايا الاستثنائية من الجذور، من خلال تنفيذ سياسة قائمة بعناية على كبح جماح العادات والتقاليد المحلية غير المتحضرة» (ص.
262-263).
ومؤكدٌ أن العديد من العادات والتقاليد في ليبيا إبان فترة الاحتلال كانت، ولا تزال، في حاجة ماسة لعلاج جذري.
ولكن السؤال الجوهري هنا: كيف عالج بالبو هذه الأمراض الاجتماعية المزمنة؟ينقل مصطفى يونس أن بالبو اجتمع بعدد «من الوجهاء ورجال الدين المسلمين، وناقش معهم هذه القضايا، وتم اتخاذ بعض القرارات المحددة بالاتفاق المتبادل؛ حيث تقرر، مثلاً، عدم السماح بزواج القاصرات دون الخامسة عشرة» (ص.
64).
والسؤال هنا: هل يمكن للقرارات الفوقية والإدارية وحدها أن تُحدث تغييراً اجتماعيّاً حقيقيّاً؟ ولنفترض أن بالبو كان، خلافاً لسلفه غراتسياني، جادّاً في إحداث قطيعة اجتماعية تذيب التخلف، فكيف له أن يحقق ذلك ووظيفة التعليم الأساسية في عهده ظلت محصورة في «منع المحليين من التفكير العقلاني النقدي»؟إن المتمعن في سياسات الاحتلال الإيطالي في فترة حكم بالبو يخلص إلى أنها لم تختلف في جوهرها الكولونيالي عن الحقبة التي سبقتها؛ فالعلم ظل معزولاً عن المعرفة، والتعليم لم يتجاوز عتبة «محو الأمية» الوظيفي.
ولهذا السبب تحديداً، وفقاً لما يذكره مصطفى يونس نفسه نقلاً عن مراجع إيطالية، لم تتراجع وتيرة الإقبال على المدارس التقليدية والكتاتيب الصوفية؛ بل إن «عدد الطلاب الذين كانوا يلتحقون بها كان أكبر بكثير من عدد تلاميذ المدارس الحكومية الاستعمارية».
وعلى سبيل المثال، وحسب تقرير المفتش العام للمدارس الابتدائية العربية ماريو تورتونيزي (Mario Tortonesi)، بلغ عدد التلاميذ الملتحقين بالكتاتيب (في عام 1935) حوالي 12,000 تلميذ؛ بينما تشير تقديرات كريستي (Christie) إلى أن إجمالي تلاميذ المدارس الدينية بلغ 13,408 في بداية عام 1939.
في حين يؤكد كوروتي (Corotti) أن هذا الرقم قفز إلى 15,000 طالب في عام 1940 (ص.
193-194).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك