أعاد الجدل الذي صاحب مباراة منتخب مصر أمام الأرجنتين في كأس العالم، وما أثاره من اعتراضات واسعة على بعض القرارات التحكيمية، الحديث عن مفهوم العدالة والظلم، وهو مفهوم لم يكن غريبًا عن الحضارة المصرية القديمة، التي جعلت العدل أحد أهم أسس الدولة والمجتمع.
فقد اعتبر المصريون القدماء أن الظلم والفوضى والعنف تمثل قوة كونية تُعرف باسم" إسفت" (Isfet)، وهي النقيض الكامل لـ" ماعت"، التي جسدت قيم الحق والعدل والنظام والتوازن.
وكان الحفاظ على" ماعت" واجبًا يقع على عاتق الملك والقضاة وكل مسؤول، لأن أي إخلال بها يعني انتشار الفوضى وانهيار استقرار المجتمع.
ولم يقتصر مفهوم العدالة على الجانب الديني، بل امتد إلى الحياة اليومية، إذ آمن المصري القديم بأن الإنسان سيُحاسب بعد وفاته في محكمة أوزيريس، حيث يُوزن قلبه مقابل ريشة" ماعت"، فإذا كان قد ظلم الآخرين أو انحاز إلى الباطل، فلن ينال الخلود.
كما لم يتردد المصريون القدماء في مواجهة الظلم على أرض الواقع، فسجل التاريخ أول إضراب عمالي معروف في عهد رمسيس الثالث، عندما احتج عمال دير المدينة على تأخر أجورهم، مطالبين بحقوقهم في واحدة من أقدم صور الاحتجاج السلمي في التاريخ.
ومن أشهر النصوص التي تناولت فكرة العدالة بردية" الفلاح الفصيح"، التي تحكي قصة فلاح تعرض للظلم، فلجأ إلى القضاء مطالبًا بإنصافه، لتتحول قصته إلى أحد أبرز النصوص التي رسخت أن العدالة حق للجميع، بغض النظر عن المكانة الاجتماعية.
ورغم أن كرة القدم تختلف بطبيعتها عن ساحات القضاء، فإن الجدل الذي أعقب مباراة مصر والأرجنتين أعاد إلى الأذهان أن الشعور بالظلم، سواء في الحياة أو الرياضة، يدفع الناس دائمًا للمطالبة بالإنصاف.
فكما رفض المصري القديم الظلم وجعل العدالة أساسًا لاستقرار الدولة، تبقى المطالبة بالتحكيم العادل والشفافية جزءًا من روح المنافسة الرياضية، التي تقوم في الأساس على تكافؤ الفرص واحترام قواعد اللعب النظيف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك