قبل 3 سنوات، كان تحويل فكرة إلى تطبيق يعمل تستدعي مطورا، أو أشهرا من التعلم، أو ميزانية لا يملكها أغلب الناس، لكن اليوم يكفي أن تفتح نافذة محادثة مع نموذج ذكاء اصطناعي، وتصف فكرتك بجملة عادية، لتحصل خلال دقائق على واجهة تعمل فعلا.
هذا بالضبط ما يسميه عالم التقنية اليوم" فايب كودينغ" (Vibe Coding)، وهو مصطلح يعبر عن استخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد الشيفرة البرمجية (الكود) بالكامل دون فهم لمعمارية الحل، حيث تصف لنموذج الذكاء الاصطناعي ما تريد، فيكتب لك النموذج الشيفرة، تشغله، تصلح العطل بمطالبة تالية، وتمضي قدما دون أن تعرف كيف تترابط قطع ما بنيته، ولا لماذا اختار النموذج هذا التصميم بالذات لا غيره.
من صاغ المصطلح، ومتى انتشر؟صاغ المصطلح أندريه كارباثي، أحد مؤسسي شركة أوبن إيه آي والمدير السابق للذكاء الاصطناعي في تسلا، في فبراير/شباط 2025.
وصف فيه طريقة العمل البسيطة التي ذكرناها آنفا.
ولم يقصد بها نمطا احترافيا بقدر ما وصف تجربة شخصية خفيفة لمشاريع" شبه تعمل".
ومع ذلك انتشر المصطلح بسرعة لم يتوقعها هو نفسه، تبنته مجتمعات المطورين، وتناقلته وسائل الإعلام التقنية على نطاق واسع، حتى اختارته دار كولينز للقواميس كلمة عام 2025.
سبب الانتشار بسيط حيث لم تعد بحاجة إلى خلفية برمجية لتحويل فكرة إلى نموذج أولي يعمل أمامك؛ يكفي أن تصفها بجملة ويتولى النموذج البقية.
صار البناء مجانيا، هذه هي النقطة المحورية في القصة كلها، ما كان يكلف وقتا ومهارة وجهدا صار متاحا بجملة واحدة، ومقولة" إنه يعمل" لم تعد تستحق التصفيق الذي كانت تستحقه قبل سنوات.
والنتيجة الطبيعية أن الجميع صار يبني: المدير، المؤسس غير التقني، الطالب، موظف التسويق، وحتى من لا يعرف الفرق بين متغير ودالة.
لكن بين" أن تبني" و" أن يستخدم ما بنيته" مسافة طويلة، وهي المسافة التي تكشفها أرقام عام 2026 بوضوح مزعج.
ماذا تقول التجارب الحالية؟في مايو/أيار 2026، نشر 3 باحثين اقتصاديين -مرت ديميرر وليون موسولف وليويان يانغ- ورقة بحثية عبر المكتب الوطني الأمريكي للبحوث الاقتصادية، تتبعوا فيها أكثر من 100 ألف مطور على منصة" غيت هاب" (GitHub) عبر 3 أجيال من أدوات الذكاء الاصطناعي، مثل الإكمال التلقائي، والوكلاء التفاعليين، والوكلاء المستقلين.
قاس الباحثون النشاط البرمجي بعدد مرات حفظ التغييرات (commits)، أي كل مرة يحفظ فيها المطور نسخة من تعديلاته على الكود، وهو المقياس المعتاد لرصد حجم العمل الفعلي على أي مشروع برمجي، ووجدوا أن كل جيل من الأدوات يرفع هذا النشاط أكثر من سابقه، بنسب تراكمية بلغت 40% ثم 140% ثم 180%.
لكن هذا الأثر يتآكل بسرعة كلما اقتربنا من خط الإنتاج الفعلي: عدد المشاريع ارتفع بنحو 50% فقط، وعدد الإصدارات الفعلية بنحو 30%، لينكمش عند مستوى المطور الفرد إلى ما يقارب 10% فقط -وهو الرقم الذي يستحق التوقف عنده فعلا.
وعند الوكلاء المستقلين تحديدا، حيث قفزت أسطر الكود المكتوبة 741% وطلبات الدمج 65%، ولم يتجاوز الأثر النهائي على الإصدارات 20%.
يفسر الباحثون الفجوة بما يسمونه" فرضية الحلقة الأضعف": الذكاء الاصطناعي يسرع الجزء الذي كان دائما سهلا وهو كتابة الكود، بينما تبقى الحلقات اللاحقة – الاختبار، والمراجعة، والقرار بشأن ما يستحق الشحن فعلا – رهينة بالبشر.
ولأن العلاقة بين جهد الآلة وجهد الإنسان تكميلية أكثر منها بديلة، فإن ضخ مزيد من قدرة الذكاء الاصطناعي لا يفك هذا الاختناق.
وحين اختبر الباحثون الفرضية نفسها عبر 4 أسواق تطبيقات كبرى، وجدوا زيادة معتدلة في عدد التطبيقات الجديدة المنشورة، لكن بلا أي زيادة تذكر في استخدامها الفعلي.
وتتكرر الصورة نفسها داخل الشركات، لكن بميزانيات أكبر.
إذ أظهر تقرير معهد" إم آي تي ناندا" (MIT Nanda) بعنوان" انقسام الذكاء الاصطناعي التوليدي: واقع الذكاء الاصطناعي في قطاع الأعمال عام 2025" المستند إلى أكثر من 300 مبادرة ذكاء اصطناعي معلنة ومئات المقابلات مع تنفيذيين، أن نحو 95% من مشاريع الذكاء الاصطناعي التوليدي التجريبية داخل الشركات لم تحدث أي أثر مالي يذكر على أرباحها وخسائرها، رغم استثمارات تقدر بين 30 و40 مليار دولار، وفقط 5% من هذه المشاريع نجحت في تحقيق قيمة قابلة للقياس.
والمفارقة أن أغلب الميزانيات ذهبت إلى أدوات المبيعات والتسويق ولوائح المؤشرات، وهي الأسهل عرضا على مجالس الإدارة، بينما كان العائد الأعلى فعليا في أتمتة العمليات الخلفية.
وهذا ليس خطأ متعمدا من أحد، فمن الطبيعي أن يسهل تبرير ميزانية لمشروع يمكن عرضه بوضوح أمام المجلس في شرائح جميلة، ويصعب تبرير مشروع أثره الحقيقي مدفون في تفاصيل تشغيلية لا تظهر في أي عرض تقديمي.
فالفكرة -تبني الذكاء الاصطناعي لرفع الكفاءة- سليمة تماما؛ لكن الخلل كان في أين توجه الميزانية لا في القرار بالاستثمار أصلا.
كما وجد التقرير أن الشراكة مع مزودين متخصصين تنجح بضعف معدل نجاح المشاريع المبنية داخليا (67% مقابل 33%).
بعبارة أخرى، العرض المبهر أمام أصحاب المصلحة غالبا ما يكون في جوهره ملفا يعمل على حاسوب فردي فقط -ما يعرف تقنيا بـ" المضيف المحلي" (localhost)، أي نطاق محلي محصور بالجهاز الذي صنع عليه، لا نطاقا مؤسسيا حقيقيا يصل إليه موظفون وعملاء فعليون- ألصق عليه شعار الشركة: عرض ممتاز، بلا مستخدمين حقيقيين، وبلا أي أثر على الإيرادات.
واقع الشركات الآن: ما تقوله فرق الهندسة نفسهاأحدث صورة لما يجري فعليا داخل فرق الهندسة جاءت من استطلاع أجرته منصة" غيت لاب" (GitLab) منتصف عام 2026 على أكثر من 1500 مطور حول العالم.
تقول أرقامه إن 91% من المؤسسات تستخدم اليوم أداتين أو أكثر من أدوات البرمجة بالذكاء الاصطناعي، لكن 79% من المطورين يرون أن سرعة تسليم البرمجيات لم ترتفع بالوتيرة نفسها التي ارتفعت بها إنتاجية كتابة الكود؛ أي أن المكاسب لم تختفِ، بل انتقلت إلى محطة أخرى في خط الإنتاج.
النتيجة أن 85% منهم يجمعون على أن عنق الزجاجة الحقيقي صار في مراجعة الكود والتحقق منه، لا في كتابته.
والأدهى أن 43% باتوا عاجزين عن التمييز بين كود كتبه إنسان وآخر كتبته آلة -وهو ما يفسر لماذا يشعر 73% منهم بقلق فعلي حيال قابلية صيانة هذا الكود على المدى الطويل، بل إن 34% لا يستطيعون حتى تحديد ما إذا كان كود الذكاء الاصطناعي سببا في عطل وقع بالفعل.
وتواجه 90% من الشركات اليوم تحديات حوكمة مرتبطة تحديدا بممارسات" الفايب كودينغ"، و4 من كل 5 تبنوا الأدوات أسرع بكثير مما وضعوا سياسات لضبطها.
ولا غرابة في ذلك، فإن التسابق نحو أداة تعد بمضاعفة إنتاجية المبرمج قرار منطقي لأي فريق هندسة يريد المنافسة، والخلل ليس في التبني نفسه بل في معاملة الحوكمة كخطوة لاحقة اختيارية بدل أن تبنى مع الأداة من اليوم الأول.
لقد لخص مدير المنتج والتسويق في" غيت لاب"، مناف خورانا، المشهد بجملة واحدة: " السرعة بلا ضبط عبء لا ميزة".
والمؤشر الإيجابي الوحيد أن 91% من الشركات تخطط الآن لاستثمار فعلي في الحوكمة خلال العام المقبل، و98% منها خصصت لذلك ميزانية بالفعل.
ما تكشفه كل هذه الأرقام مجتمعة ليس أن الذكاء الاصطناعي فشل في البرمجة؛ فهو، بلا شك، جعل كتابة الكود أرخص وأسرع مما كانت عليه في أي وقت مضى.
والأهم من ذلك، لا أحد من مستخدميه يكذب.
من يبني تطبيقا يعمل على جهازه، ويعرضه في فيديو قصير، ويحصد بعض الإعجابات، لا يخدع أحدا، ولا حتى نفسه بالضرورة.
الفكرة ذاتها -أن يستطيع أي إنسان لديه فكرة أن يجربها دون حاجز تقني- فكرة جيدة بلا جدال.
المشكلة في زاوية التطبيق لا في النية، خلط بين أن يعمل البرنامج -وهو الجزء الأسهل من صناعته- وبين إنجاز المهمة كاملة.
وما تكشفه هذه الأرقام أيضا أن كتابة الكود لم تكن يوما هي الجزء الصعب من صناعة برنامج ناجح.
الجزء الصعب ظل كما هو دائما، وهو فهم حاجة حقيقية لدى عميل حقيقي، وبناء حل يستحق أن يستخدم فعلا، وكسب ثقة الناس بمرور الوقت، وإيجاد طريق للوصول إلى الجمهور الصحيح.
حين يصبح البناء مجانيا ومتاحا للجميع، يتوقف البناء عن كونه ميزة تنافسية.
ما يبقى ميزة تنافسية هو ما كان ميزة دائما: التوزيع، والثقة، وقدرتك على إقناع شخص بأن يدفع لك مرتين.
لذلك، حين تقيم أي مشروع ذكاء اصطناعي اليوم، مشروعك أو مشروع شركتك، تجاهل السؤال المعتاد" هل يعمل؟ "، واسأل بدلا منه: هل بنيت حلا مستداما وقابلا للتوسع، يخدم شريحة واسعة من المستخدمين بأمان، يحل مشكلة حقيقية تجعلهم مقتنعين باستخدامه، أم أنك فقط أنجزت في عطلة نهاية أسبوع نموذجا أوليا يستحق لقطة شاشة واحدة قبل أن ينسى؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك