لم تعد الحساسية مجرد مشكلة موسمية ترتبط بالربيع أو بحبوب اللقاح، بل أصبحت واحدة من أسرع الأمراض المزمنة انتشارًا في العالم، حتى إن خبراء الصحة يحذرون من أن أعداد المصابين بها تتزايد بوتيرة متسارعة عامًا بعد آخر، لتشمل الأطفال والبالغين على حد سواء.
ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، يعاني مئات الملايين من الأشخاص حول العالم من أحد أشكال الحساسية، بينما تشير دراسات منشورة في دوريات علمية مرموقة، منها The Lancet وNature Reviews Immunology، إلى أن استمرار العوامل البيئية الحالية قد يجعل الحساسية تصيب ما يقارب نصف سكان العالم خلال العقود المقبلة.
ورغم أن الحساسية تبدو في ظاهرها مشكلة بسيطة تتمثل في العطاس أو الحكة أو الطفح الجلدي، فإنها في حقيقتها خلل معقد في عمل جهاز المناعة، الذي يُفترض أن يحمي الجسم من الفيروسات والبكتيريا والطفيليات، لكنه لدى بعض الأشخاص يخطئ في التعرف إلى مواد غير ضارة، مثل حبوب اللقاح، أو الغبار، أو وبر الحيوانات، أو بعض الأطعمة، أو الأدوية، أو لسعات الحشرات، ويتعامل معها كما لو كانت تهديدًا حقيقيًا.
وعند التعرض لهذه المواد، ينتج الجسم أجسامًا مضادة تُعرف باسم “الغلوبولين المناعي E” (IgE)، ترتبط بخلايا مناعية موجودة في الجلد والرئتين والأنف والجهاز الهضمي.
وعند التعرض للمسبب مرة أخرى، تطلق هذه الخلايا الهيستامين وعددًا من المواد الكيميائية الالتهابية، لتبدأ سلسلة من التفاعلات التي تؤدي إلى ظهور أعراض الحساسية.
وتشمل هذه الأعراض سيلان الأنف، والعطاس، واحتقان الجيوب الأنفية، واحمرار العينين وحكتهما، والشرى الجلدي، والإكزيما، وضيق التنفس، والسعال، واضطرابات الجهاز الهضمي، بينما قد تتطور في بعض الحالات إلى “التأق”، وهو أخطر أنواع الحساسية، إذ يسبب هبوطًا حادًا في ضغط الدم، وتورمًا في الحلق، وصعوبة شديدة في التنفس، ويستلزم تدخلًا طبيًا عاجلًا.
ولا تزال الأسباب الدقيقة التي تجعل بعض الأشخاص أكثر عرضة للحساسية من غيرهم محورًا للدراسات العلمية، إلا أن الباحثين يؤكدون أن المرض ينتج عن تفاعل معقد بين العوامل الوراثية والبيئية.
فالأشخاص الذين لديهم أحد الوالدين أو كلاهما مصابًا بالحساسية ترتفع احتمالات إصابتهم، لكن العوامل الوراثية وحدها لا تفسر الزيادة الكبيرة في أعداد المرضى خلال العقود الأخيرة، وهو ما دفع العلماء إلى التركيز على تأثير البيئة المحيطة.
وتشير أبحاث إلى أن تلوث الهواء، وعوادم المركبات، والجسيمات الدقيقة، ودخان السجائر، والتعرض المستمر للمواد الكيميائية، كلها عوامل تؤدي إلى تهيج الجهاز التنفسي وزيادة احتمالات الإصابة بالحساسية والربو.
كما أظهرت دراسات أن التغيرات المناخية تؤدي إلى إطالة مواسم حبوب اللقاح وزيادة تركيزها في الهواء، ما يفسر ارتفاع حالات الحساسية الموسمية في كثير من دول العالم.
ومن أكثر النظريات العلمية إثارة للاهتمام “فرضية النظافة”، التي طُرحت قبل أكثر من ثلاثة عقود، وتطورت مع الوقت عبر عشرات الدراسات.
وتفترض هذه النظرية أن الأطفال الذين ينشؤون في بيئات شديدة التعقيم، مع تعرض محدود للبكتيريا والميكروبات الطبيعية، قد لا يحصل جهازهم المناعي على التدريب الكافي للتمييز بين المواد الضارة وغير الضارة، ما يجعله أكثر ميلًا للإصابة بالحساسية.
وفي السنوات الأخيرة، اتجهت الأنظار إلى “الميكروبيوم”، وهو المجتمع الهائل من البكتيريا النافعة التي تعيش داخل الأمعاء وعلى الجلد.
وأظهرت أبحاث منشورة في مجلة Science أن هذه الكائنات الدقيقة تؤدي دورًا محوريًا في تنظيم جهاز المناعة، وأن اختلال توازنها قد يزيد خطر الإصابة بالحساسية وأمراض المناعة الأخرى.
كما توصلت دراسات إلى أن طريقة الولادة، والرضاعة الطبيعية، واستخدام المضادات الحيوية في السنوات الأولى من العمر، ونوعية الغذاء، قد تؤثر جميعها في تكوين الميكروبيوم، وبالتالي في احتمالات الإصابة بالحساسية لاحقًا.
وتتنوع أنواع الحساسية بصورة كبيرة، فمنها حساسية الجهاز التنفسي، مثل حساسية الأنف والربو، وحساسية الجلد، مثل الإكزيما والشرى، وحساسية الطعام، التي قد تنتج عن الفول السوداني، والحليب، والبيض، والأسماك، والمكسرات، إضافة إلى الحساسية الناتجة عن بعض الأدوية ولسعات الحشرات.
وتؤكد الأكاديمية الأمريكية للحساسية والربو والمناعة أن التشخيص الصحيح يمثل حجر الأساس في العلاج، إذ يعتمد على التاريخ المرضي للمريض، والفحص السريري، واختبارات الجلد، وتحاليل الدم، وفي بعض الحالات اختبارات التحدي التي تُجرى تحت إشراف طبي متخصص.
أما العلاج، فلا يقتصر على مضادات الهيستامين فقط، بل يشمل بخاخات الأنف، والأدوية المضادة للالتهاب، وعلاجات الربو، والحقن المحتوية على الإبينفرين للحالات الشديدة، إضافة إلى العلاج المناعي، الذي يعتمد على تعريض الجسم تدريجيًا لكميات صغيرة ومدروسة من مسببات الحساسية بهدف إعادة تدريب جهاز المناعة على تقبلها مع مرور الوقت.
وتشهد السنوات الأخيرة تطورًا لافتًا في العلاجات البيولوجية، وهي أدوية حديثة تستهدف جزيئات محددة داخل الجهاز المناعي، وأسهمت في تحسين حياة كثير من المرضى الذين لم تكن العلاجات التقليدية كافية للسيطرة على أعراضهم.
ويؤكد الباحثون أن الوقاية تبدأ بتحديد مسببات الحساسية وتجنبها، مع تحسين جودة الهواء داخل المنازل، والحد من الرطوبة والعفن، والامتناع عن التدخين، واتباع نظام غذائي متوازن، وعدم استخدام الأدوية أو الامتناع عن أنواع معينة من الطعام دون تشخيص طبي دقيق.
ورغم التقدم الكبير في فهم آليات الحساسية، لا يزال العلماء يعملون على كشف أسبابها بصورة أكثر دقة، وتطوير علاجات تستهدف جذور المرض، في وقت تشير فيه الأبحاث إلى أن الحساسية ستكون من أبرز التحديات الصحية خلال العقود المقبلة، مع استمرار تأثير التغيرات البيئية والمناخية على صحة الإنسان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك