في طريقي إلى طنطا، غلبتني الدموع داخل القطار، رغم كل محاوﻻتي للإلهاء؛ تارة بمحادثة مع صديقة تعلم جيدًا مدى صعوبة هذا المشوار، ومرة باللعبة التي أدمنها.
رغمًا عني باغتتني ذكرى حديثنا اﻷخير حول" قطار الساعة ٤" وسر تفضيله السفر نهارًا.
قلت له لو أنني متجهة إلى طنطا كنت بالطبع سأفضل السفر بالقطار.
ولم أتخيل أن الرحلة القادمة بالقطار ستكون لوداعه!مالت نحوي الفتاة في المقعد المقابل.
ربتت على ركبتي وامسكت يدي وهي تهمس في أذني" ما فيش حد يستاهل الدموع إللي في عينيكي دي".
رغمًا عني انفعلت، سحبت يدي وقلت بعناد طفولي غاضب" لأ! يستاهل".
كررت ربتتها على ركبتي وقالت وهي تبتسم بأسى" صدقيني مايستاهلش" فانفجر الدمع ثانية وأنا أؤكد لها" طبعا يستاهل.
دا أستاذي وأكتر من أبويا! ".
لم يتسع الوقت ولا طاقتي لأعرفها عليه.
بالنسبة لمن حرمه الحظ من معرفته هو اﻷستاذ الدكتور ياسر قنصوة.
المفكر الكبير وأستاذ الفلسفة بجامعة طنطا.
ولكن، يا لحزن من كان يومًا محظوظًا وعرفه!كان أكثر من أن يمكن اختزال وصفه في بضعة كلمات.
حتى أنني حين يسألني أحد عمن فقدت، أتوقف للحظات عاجزة عن إيجاد وصف يعبر عن قيمته لدي وحجم فجيعتي فيه.
ما إن باغتنا الخبر الصادم برحيله المفاجئ شعرت - وأثق أن هذا حال المئات من طﻻبه - باليتم الحقيقي.
أما الأصدقاء والمعارف وزمﻻء الدراسة والعمل فحدث وﻻ حرج.
كل منا عرف شكلاً جديدًا من الحزن يومها، ونوعًا جديدًا من الفقد ربما لم يختبروه من قبل!في جلستنا اﻷخيرة - التي للأسف لم أكن أعلم أنها كذلك - كنا نتبادل الحديث حول فنون مراوغة الحياة، وأخبرته عن خطتي اﻷخيرة للإلهاء، فبادلني بدوره سره الخاص وأخبرني بروحه المرحة وعينيه تنطقان بالحيوية والحياة أنه يحب تلك اﻷيام التي يفعل فيها أشياء غير روتينية تسعده، يسترجع ذكراها مرارًا في ذهنه قبل أن ينام، وحين يحل الليل يتذكر أن هذا اليوم فعل فيه شيئًا جديدًا.
لم أتخيل أنني سأحتاج لاستعارة تلك الحيلة سريعًا فأحاول استرجاع كل لحظة من جلساتنا اﻷخيرة لعلي أتمكن من احتمال كل هذا الحزن!في تلك الجلسة شعرت للحظة بعظيم حظي به.
بأن يمنحني من وقته واهتمامه الحقيقي.
ينشغل لأمري ويفكر في حياتي.
يخبرني بصدق أنه يقلق علي ﻷني أضع قلبي في كل ما أفعله.
يهمس بأسى" مقتلك في تفانيكِ يا سارة".
شعرت في هذه المرة كم أنا محظوظة بهذا الرجل.
هذا اﻷب والمرشد والسند.
عالم ومفكر بحجمه، يحب أن يتحاور معي.
يسمعني بإنصات واهتمام.
ويمنحني - بتواضع تام - خﻻصة خبرته في الحياة.
يقول صادقًا: " أنا مش بس بعمل دا ﻷني كنت أستاذكم يا سارة.
أنا بستفيد منكم.
بجدد نفسي بأفكاركم وبقرب من عالمكم".
هكذا كان دائمًا صاحب عقل" طازج" ممتلئ بالحيوية والشباب لدرجة تصعب علينا تصديق رحيله.
أمتن له امتنانا مضاعفًا حين أسأله بشك" هل ندمت؟ " كنت اسأل عن امرأة أخرى، كانت يومًا ما فتاة مثلي.
اتخذت اختياراتها الخاصة، عكس اتجاه الريح السائد، فيرد فورًا وقد التقط مغزى السؤال" أبدًا يا سارة.
اوعي تلومي نفسك أبدًا.
"يخبرني في المرة اﻷخيرة أنه سعيد ﻷن يرى في عﻻقته بطﻻبه ذلك" العود اﻷخضر" ﻻ يزال يانعًا.
وأنه كان واضحًا من اللحظة اﻷولى في عﻻقته بنا جميعًا.
لسنا حتى بمثابة" أبناء" له.
ﻷن هذه العﻻقة تخلو من الندية.
إنما هي عﻻقة إنسان بإنسان كامل.
يحترمنا ويرى فينا" عودا أخضر" يحب أن يظل دائمًا مزدهرًا وبخير!ثم يحدثني بحماس عن طالبات أخريات يعتز بهن وبمشوارهن في الحياة.
ويكرر علي أسماءهن وكأنها وصية.
أرى حجم الحزن والصدمة برحيله، فيجيبني مرة أخرى عن سؤال حياتي كبير، ويخرس شكا بدأ يتسلل مع الإحباط داخلي، أسمع الحقيقة وكأنه يخبرني بها بصوته: الصدق والإخلاص يفوزان دائما يا سارة.
اتأمل سيرته الطيبة، وحجم الخسارة في قلوب كل من تعاملوا معه وأتمتم: ربح البيع يا دكتور ياسر.
عشت صادقا مخلصا ومتفانيا، بلا شلة ولا تنازل عن مبادئك ولا رياء وحصدت حبا صادقا وأثرا خالدا في قلوب كل من عرفوك.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك