عندما توفيت الملكة إليزابيث الثانية في 2022، لم تستيقظ المملكة المتحدة على فراغ سياسي أو حالة ارتباك، ولم يبدأ المسؤولون يومها بالتساؤل: من سيُعلن الخبر؟ ومن سيخلف الملكة؟ ومن سينظّم الجنازة؟ وكيف ستُدار الدولة؟كلّ ذلك كان قد حُسم قبل سنوات طويلة ضمن خطّة حملت اسماً رمزياً هو" عملية جسر لندن".
منذ اللحظة الأولى، أُعلن الخبر، واعتلى الملك تشارلز الثالث العرش، وبدأت مراسم الحداد، واستمرّت مؤسّسات الدولة في عملها كأنّها تُنفّذ ما كانت تستعدّ له منذ سنوات طويلة.
عندنا في ليبيا، السؤال لا ينتقل بهذا الهدوء من بروتوكول إلى آخر، بل يقفز مباشرة إلى العدم: ماذا سيحدث في اليوم التالي لوفاة خليفة حفتر؟حفتر طاعن في السن وقد تجاوز الثمانين من عمره، وأصبح حضوره العلني خلال السنوات الأخيرة يعكس بوضوح آثار التقدّم في العمر.
ومهما اتفق أو اختلف الناس حوله، فالعمر في النهاية لا يستثني أحداً.
أبناء حفتر يملكون نفوذاً واسعاً اليوم، لكن حضورهم السياسي ما زال مرتبطاً بحضور والدهم وتاريخهويبدو أنّ الرجل نفسه أدرك ذلك.
خلال الفترة الماضية لم يعد اهتمامه يقتصر على إدارة الحاضر، بل اتجه بشكل واضح إلى محاولة ترتيب مرحلة ما بعده.
أبناء حفتر أصبحوا يتصدّرون المشهد الواحد تلو الآخر؛ صدام كلّفه بمنصب نائب القائد العام وتحوّل إلى الرجل الأقوى عسكرياً، وأصبح يمارس عملياً كثيراً من صلاحيات القائد العام، بينما أمسك خالد برئاسة أركان الجيش، وأصبح بلقاسم لاعباً أساسياً في ملف إعادة الإعمار، إلى جانب أدوار مُتزايدة لبقية أفراد العائلة في السياسة والاقتصاد والأمن.
خلال سنوات قليلة أصبحت مراكز النفوذ موزّعة داخل الأسرة أكثر ممّا كانت في أيّ وقت مضى.
لكن يبقى السؤال الأصعب: ماذا يحدث عندما يغيب الرجل الذي جمع كلّ هذه الخيوط بيده؟ من سيُعلن وفاته؟ من سيتولى قيادة القوات المسلّحة في الساعات الأولى؟ ومن أين سيستمد شرعيته؟ من سيطمئن الضباط والقبائل والحلفاء الخارجيين؟ وهل يكفي قرار تعيين أو رتبة عسكرية كي يقتنع الجميع بمن سيتولى القيادة بعده؟هذه ليست أسئلة سابقة لأوانها، بل هي جوهر أيّ انتقال للسلطة في نظام يدور حول شخص واحد.
أبناء حفتر يملكون نفوذاً واسعاً اليوم، لكن حضورهم السياسي ما زال مُرتبطاً بحضور والدهم وتاريخه.
لم يخوضوا تجربة مستقلة، ولم يختبروا إدارة التوازنات المُعقّدة التي راكمها حفتر خلال سنوات طويلة.
لذلك يصعب الجزم بأنّ انتقال النفوذ سيعني بالضرورة انتقال القدرة على إدارة المشهد بكلّ تناقضاته.
سباق الظهور والنفوذ، الذي وصل في بعض الملفات إلى حدّ الخلافات، بات ملموساً، حتى وإن بقي مضبوطاً في ظل الأبولا يخفى على أحد أيضاً أنّ مؤشّرات التنافس داخل العائلة أصبحت أكثر وضوحاً ممّا كانت عليه قبل سنوات.
صحيح أنّه لم يصل إلى صدام علني، لكنْ لكلّ طرف موالوه ودوائره الإعلامية ومنصّاته والأجهزة الأمنية والعسكرية الأقرب إليه.
سباق الظهور والنفوذ، الذي وصل في بعض الملفات إلى حدّ الخلافات، بات ملموساً، حتى وإن بقي مضبوطاً في ظلّ الأب.
قد يحافظ الأبناء على تماسك المعسكر لبعض الوقت، خاصّة إذا شعر أنصارهم في برقة بأنّ أيّ انقسام قد يهدّد وجودهم.
وربّما يؤدي أيّ تحرّك عسكري من غرب ليبيا إلى نتيجة معاكسة، فيدفع كثيرين إلى الالتفاف حول القيادة الجديدة بدافع الخوف، ولو مؤقتاً.
لكن المشهد لا يتوقّف عند العائلة أو مناصريها.
ففي برقة مناطق وقبائل وقيادات عسكرية وشخصيات نافذة جرى تحجيمها أو قمعها خلال السنوات الماضية، بعضها كان شريكاً لحفتر في بدايات مشروعه، ثم وجد نفسه خارج دائرة القرار.
غيابه قد يمنح هذه القوى فرصة لمحاولة العودة، وربما لتصفية حسابات مؤجّلة.
وأنا أميل إلى الاعتقاد بأنّ هناك احتمالاً آخر قد يأتي من الداخل نفسه.
فالأنظمة التي تعتمد على القبضة الأمنية تبدو مستقرة إلى أن تتوقّف عن الإمساك بالمشهد.
هذا ما حدث في ليبيا عام 2011.
قبل أسابيع قليلة من الانتفاضة، كان كثيرون يرون أنّ نظام معمر القذافي ثابت لا يهتز، ثم انهار كلّ شيء خلال فترة قصيرة.
لا أقول إنّ التاريخ سيُعيد نفسه، لكنّني لا أرى سبباً يدفعنا إلى استبعاد التحوّلات المُفاجئة.
الأنظمة التي تعتمد على القبضة الأمنية تبدو مستقرة إلى أن تتوقّف عن الإمساك بالمشهدفي رأيي، المشكلة ليست في شخص خليفة حفتر بقدر ما هي في طبيعة النظام الذي تشكّل حوله.
كلّما تركّزت السلطة في شخص واحد، تأجّل السؤال الذي لا مفرّ منه: ماذا بعده؟ وغالباً لا يُطرح هذا السؤال إلا بعد فوات الأوان.
رأينا شيئاً من ذلك بعد سقوط القذافي، رغم اختلاف الظروف.
انهارت منظومة كاملة لأنّها كانت مرتبطة برجل واحد.
واليوم تبدو السلطة التي تشكّلت في برقة مرتبطة بصورة كبيرة بشخص حفتر أيضاً.
وإذا كانت هناك ترتيبات داخل العائلة في هذه المرحلة، فلا يظهر حتى الآن أنّ هناك ترتيبات مُماثلة لإدارة المرحلة التي تلي غيابه.
لهذا لفتتني عملية جسر لندن في بريطانيا.
لم يكن أكثر ما أثار انتباهي مراسم الجنازة أو البروتوكول الملكي، بل إنّ الدولة واصلت عملها بصورة عادية.
لم تتحوّل وفاة الملكة إلى أزمة، ولم يتوقّف شيء بانتظار من يقرّر الخطوة التالية.
كلّما فكّرت في ذلك، أجد نفسي أعود إلى ليبيا.
السؤال ليس من سيخلف حفتر، بل ما إذا كانت السلطة التي أصبحت تتمحور حول العائلة قادرة على الاستمرار بعد غيابه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك