تواصل البنوك المركزية حول العالم شراء المزيد من أطنان الذهب رغم الأسعار المرتفعة وتقلبات الدولار وتوقعات رفع أسعار الفائدة، في اتجاه يعكس تحولاً أعمق في طريقة إدارة الاحتياطيات الرسمية للدول من النقد الأجنبي.
فموجة 2026 لا تبدو اندفاعاً وراء ملاذ آمن تقليدي، بل إعادة ترتيب محسوبة للأصول في مواجهة مخاطر مالية وجيوسياسية متصاعدة، من هشاشة الاعتماد على الدولار إلى صدمات العقوبات وتجميد الأصول واضطراب القنوات المالية.
وحام سعر الأونصة أمس الأربعاء حول 4100 دولار، بعدما كان في حدود 2600 دولار مع مطلع 2025، واقترب من 5600 دولار في نهاية يناير/كانون الثاني الماضي.
تعززت هذه الصورة مع بيانات الصين الصادرة يوم الثلاثاء الماضي، إذ أظهرت أن بنك الشعب الصيني رفع احتياطياته من الذهب للشهر العشرين على التوالي، مضيفاً نحو 480 ألف أونصة في يونيو/حزيران، أي ما يقارب 15 طناً، لترتفع الحيازات الرسمية إلى 75.
44 مليون أونصة.
وهذه أكبر زيادة شهرية في احتياطيات الصين من الذهب منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وجاءت رغم تراجع قيمة الاحتياطيات الذهبية الصينية خلال الشهر نفسه بفعل هبوط الأسعار.
ولا تبدو الصين حالة منفصلة عن اتجاه أوسع.
وفي 2 يوليو/تموز، نشر مجلس الذهب العالمي أحدث بياناته الشهرية، مظهراً أن البنوك المركزية عادت إلى الشراء بقوة في مايو/أيار، مع زيادة صافية في الاحتياطيات الرسمية بلغت 41 طناً.
وقادت بولندا المشتريات بإضافة 18 طناً، تلتها الصين، ثم أوزبكستان وكازاخستان، فيما عادت سنغافورة إلى قائمة المشترين للمرة الأولى منذ سبتمبر/أيلول 2025.
وفي رده على أسئلة لـ" العربي الجديد"، يقول أندرو نايلور، رئيس قسم الشرق الأوسط والسياسات العامة في مجلس الذهب العالمي، إن البنوك المركزية تشتري المزيد من الذهب اليوم لسببين متوازيين: التنويع التقليدي للاحتياطات، والتحوط من تصاعد المخاطر الجيوسياسية.
وتكتسب هذه القراءة دلالة إضافية في 2026، لأنها لا تحدث في بيئة أسعار منخفضة تشجع على الشراء، بل في سوق مرتفعة ومتقلبة، ما يجعل قرار زيادة الحيازات أقرب إلى إعادة تقييم لدور الذهب داخل الاحتياطيات، لا مجرد اقتناص فرصة سعرية.
وتدعم هذه القراءة نتائج استطلاع مجلس الذهب العالمي لعام 2026، الصادر في 16 يونيو الماضي، إذ أظهر أن 89% من مديري الاحتياطيات المشاركين يتوقعون ارتفاع حيازات البنوك المركزية من الذهب عالمياً خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة، فيما قالت نسبة قياسية بلغت 45% إن مؤسساتها نفسها تعتزم زيادة احتياطياتها من المعدن الأصفر.
لا يعني صعود الذهب داخل الاحتياطيات أن البنوك المركزية تستعد للتخلي عن الدولار أو السندات الأميركية.
فالعملة الأميركية لا تزال في قلب النظام المالي العالمي، وسندات الخزانة الأميركية ما زالت توفر عمقاً وسيولة لا يستطيع الذهب توفيرهما.
لكن ما يتغير هو أن الاحتياطيات لم تعد تُدار من زاوية السيولة والعائد وحدهما، بل من زاوية القدرة على الصمود أمام صدمات سياسية ومالية قد تمس الوصول إلى الأصول أو قيمتها أو درجة الاعتماد على نظام مالي واحد.
ويوضح نايلور لـ" العربي الجديد" أن جاذبية الذهب تزداد مع توجه البنوك المركزية إلى تنويع احتياطياتها، لأنه أصل يمكن الاحتفاظ به مادياً وخارج النظام المالي القائم على الدولار.
وهذه النقطة تمنح الذهب وظيفة لا توفرها العملات والسندات وحدها: فهو لا يحل محلها، لكنه يقلل هشاشة الاعتماد عليها منفردة.
وتدعم هذه المقاربة نتائج استطلاع للمنتدى الرسمي للمؤسسات النقدية والمالية، نقلته رويترز في 30 يونيو الماضي، أظهر أن عدداً أكبر من البنوك المركزية يعتزم تقليص حيازاته من الدولار خلال العقد المقبل، فيما كان الذهب الأصل الأبرز الذي تعتزم البنوك المركزية زيادة مخصصاتها فيه على المدى القصير، بصافي 30% من المشاركين خلال عام إلى عامين.
وبهذا لا يبدو الذهب بديلاً مباشراً عن الدولار أو السندات، بل طبقة أمان إضافية داخل الاحتياطيات، تقلل هشاشة الاعتماد على منظومة مالية واحدة في مواجهة مخاطر العقوبات وتجميد الأصول واضطراب القنوات المالية.
لا يشبه شراء البنوك المركزية للذهب سلوك المستثمرين الأفراد أو صناديق الذهب المتداولة.
فالمستثمر قد يدخل السوق بحثاً عن مكسب سريع أو تحوط مؤقت، ثم يخرج مع ارتفاع عوائد السندات أو هدوء المخاوف.
أما البنك المركزي فيتعامل مع الذهب بمنطق أطول زمناً، مرتبط بصلابة الاحتياطي وتوزيع المخاطر وحماية القدرة المالية للدولة في لحظات الاضطراب.
لذلك لا يُقرأ استمرار الشراء الرسمي عند الأسعار المرتفعة بوصفه حركة مضاربة، بل قراراً احتياطياً طويل الأجل.
فالذهب لا يدر عائداً مباشراً مثل السندات، لكنه يوفر أصلاً لا يحمل مخاطر ائتمانية مباشرة ولا يعتمد على وعد طرف آخر بالسداد.
ويدعم استطلاع مجلس الذهب العالمي 2026 هذا المنحى، إذ أظهر أن 84% من المشاركين يتوقعون أن يشكّل الذهب حصة أعلى من إجمالي الاحتياطيات خلال خمس سنوات، مقارنة بـ76% في استطلاع العام السابق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك