يتزايد اهتمام المستثمرين بأنشطة بشركة سبيس إكس، إذ لم يعد يقتصر على الصواريخ فحسب، بل يمتد إلى منظومة مدارية متكاملة.
وبحسب ما جاء في تقرير نشره موقع" Science Daily"، إن هناك إحدى أكثر الأفكار طموحاً وتحدياً، التي تبدو أقرب إلى الخيال العلمي، وهي بناء مراكز البيانات المدارية.
وتعتبر شركة سبيس إكس من أشهر الشركات الساعية إلى بنائها، لكنها ليست الوحيدة.
يعد المنطق وراء إطلاق مراكز البيانات إلى المدار، حيث الطاقة الشمسية وفيرة ولا تشكل الأرض والماء وشبكات الكهرباء المحلية أي قيود، مغرياً.
مع ازدياد الطلب على الحوسبة نتيجةً للذكاء الاصطناعي، تروج الشركات لمراكز البيانات المدارية كوسيلة للهروب من الضغوط البيئية والبنية التحتية المتزايدة للحوسبة الأرضية.
تواجه مراكز البيانات غالباً ردود فعل سلبية من الجمهور لوجودها في مجتمعاتهم.
لكن ثمة فرق شاسع بين إطلاق الأقمار الصناعية وتشغيل بنية تحتية حاسوبية صناعية ضخمة في المدار.
إن الفضاء قاسٍ والإشعاع يُلحق الضرر بالإلكترونيات، التي تُولد كميات هائلة من الحرارة، كما أن التخلص من هذه الحرارة في الفضاء أمر بالغ الصعوبة.
وتُعد عمليات الإصلاح باهظة التكاليف، ولا يزال لكل رطل يُطلق إلى المدار تكلفة كبيرة.
تشمل مكونات مركز البيانات الأرضي مرافق الحوسبة السحابية وبث الفيديو والخدمات المصرفية عبر الإنترنت والحوسبة العلمية، وبشكل متزايد، الذكاء الاصطناعي.
لكن مركز البيانات ليس مجرد غرفة مليئة بالخوادم.
يحتاج مركز البيانات إلى عدة عناصر ليعمل بكفاءة.
أولها الطاقة الكهربائية، فالخوادم ومعدات الشبكات وأجهزة التخزين تستهلك كميات كبيرة من الكهرباء، ويتزايد الطلب على الطاقة بسرعة مع تطور الذكاء الاصطناعي.
ثانياً، تأتي خدمات التبريد، إذ تتحول معظم الكهرباء التي تستهلكها الخوادم في نهاية المطاف إلى حرارة.
وإذا لم تُزل هذه الحرارة بسرعة وكفاءة، ينخفض أداء المعدات وتزداد الأعطال، ويمكن أن يتوقف مركز البيانات عن العمل.
تشمل أنظمة التبريد عادةً وحدات معالجة الهواء والمبردات وأبراج التبريد والمضخات ومعدات التبريد السائل التي تُستخدم بشكل متزايد.
في العديد من المرافق، يُعد التبريد ثاني أكبر مستهلك للطاقة بعد معدات الحوسبة نفسها.
ثالثاً، تشمل البنية التحتية المادية كلاً من الأرض والمباني والدعم الهيكلي والطاقة الاحتياطية وأنظمة المياه وشبكات الاتصالات وإمكانية الوصول للصيانة.
كما يجب أن تكون مراكز البيانات قريبة بما يكفي من المستخدمين وشبكات البنية التحتية الرئيسية لتوفير خدمات رقمية سريعة.
تجد بعض الشركات احتمال بناء مراكز البيانات في الفضاء فرصة تجارية جذابة، لأنه كما هو الحال على الأرض، ستحتاج إلى كميات هائلة من الطاقة، لكن ستأتي في الفضاء من الألواح الشمسية، حيث تكون الشمس مشرقة دائماً في الفضاء ولا يمكن حجبها بالغيوم.
لكن وبحسب المدار الذي توضع فيه الألواح الشمسية، يمكن أن تحجبها الأرض لجزء من المدار.
كما يرى بعض الخبراء أن أفضل الخلايا الشمسية المتوفرة اليوم ربما لا تستطيع تحويل سوى نصف ضوء الشمس الساقط عليها إلى كهرباء.
ومن المزايا المحتملة الأخرى في الفضاء التبريد.
فبرودة الفضاء الشديدة (حوالي -270 درجة مئوية تحت الصفر) تُتيح فرصةً سانحةً، إذ يُمكن للحرارة المهدرة من مركز البيانات أن تتسرب إلى الفضاء عبر مشعات حرارية، ما يُحافظ على برودة الأجهزة الإلكترونية.
من حيث المبدأ، يُمكن لهذا التصميم أن يُغني عن بعض البنية التحتية الضخمة والمستهلكة للمياه للتبريد المستخدمة على الأرض.
إلا أن هذه المشعات الحرارية تتطلب مساحة سطحية كبيرة، إضافةً إلى المساحة التي تحتاجها الألواح الشمسية.
في الفضاء، لا يوجد هواء يُمرر على المعدات الساخنة ويُساعد على تبديد الحرارة.
يجب أن تخرج الحرارة على شكل إشعاع تحت أحمر، وهي عملية بطيئة نسبياً.
ونتيجةً لذلك، قد يتطلب التخلص من 10 ميغاواط من الحرارة المهدرة مساحات سطحية للمشعات تُعادل مساحة ملعبين لكرة القدم.
يمكن أن يشهد الفضاء ازدحاماً متزايداً، وإطلاق آلاف مراكز البيانات المدارية الضخمة من شأنه أن يُفاقم هذه المشكلة.
يُشكل الحطام المداري والنيازك الدقيقة مخاطر جمة لقدرتها على إحداث ثقوب في مركز البيانات الفضائي، وربما يؤدي اصطدام في أسوأ الأحوال إلى تدميره وتوليد المزيد من الحطام الفضائي.
كما يمكن أن يُثير تواتر عمليات الإطلاق الفضائية اللازمة لإرسال جميع المعدات إلى المدار قلق بعض المجتمعات.
وقد شهدت شركة سبيس إكس احتجاجات في مجمع الإطلاق التابع لها في بوكا تشيكا بتكساس، من قِبل نشطاء محليين يُجادلون بأن اختبارات الصواريخ وعمليات الإطلاق تُلحق الضرر بالبيئة المحيطة.
ستحتاج جميع هذه البيانات إلى الإرسال بين الأرض ومراكز البيانات هذه، وبين مراكز البيانات نفسها، باستخدام موجات الراديو أو أنظمة الاتصالات الليزرية.
ورغم أن مجموعات الأقمار الصناعية مثل ستارلينك وأمازون ليو أثبتت إمكانية القيام بذلك، إلا أن كمية البيانات المُرسلة من وإلى الفضاء ستتضاعف بشكل هائل.
لا يُمكن إطلاق مراكز البيانات هذه، إلى جانب ألواحها الشمسية ومشعاتها، كوحدة واحدة، بل ستحتاج إلى تجميعها في الفضاء.
تتطلب هذه العملية معدات جديدة للصيانة والتجميع والتصنيع في الفضاء.
يُعدّ تحديث أجهزة الحوسبة تحدياً رئيسياً آخر.
فخوادم مراكز البيانات ليست مصممة لتدوم إلى الأبد.
عادةً ما يقوم المشغلون على الأرض باستبدال أو ترقية الأجهزة كل ثلاث إلى خمس سنوات مع تحسّن المعالجات وتغيّر أحمال العمل وتقادم المعدات.
لذا، فمن المتوقع أن تتطلب أعطال المعدات استبدال بعض المكونات.
تُعتبر عمليات التحديث والإصلاح بسيطة نسبياً على الأرض، حيث يمكن للعمال إزالة الخوادم واستبدالها يدوياً.
أما في الفضاء، فيصبح التحديث والإصلاح أكثر صعوبة أو مكلفاً للغاية.
وإذا تعذّر تحديث منصة الحوسبة، أو تعطل عدد كبير من مكوناتها، فربما تصبح قديمة قبل أن تصل البنية التحتية المحيطة بها إلى نهاية عمرها الافتراضي.
كما أن مراكز البيانات ستكون في فراغ شبه تام، مع تعرّضها لإشعاع مستمر.
وبحسب مدارها، ستنتقل من الحرارة الشديدة تحت أشعة الشمس إلى البرودة الشديدة في ظل الأرض عدة مرات في اليوم.
كل هذه التحديات، وغيرها، هي قضايا لا بد من معالجتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك