بعد سنوات كانت فيها أسعار الطاقة هي العنوان الأكبر للتضخم، وبعد أن اعتادت الأسواق على التوترات الجيوسياسية، وبدأت البنوك المركزية تبحث أخيراً عن فرصة لخفض أسعار الفائدة، يظهر عدو جديد، لا يحمل سلاحاً ولا يفرض عقوبات، ولا يطلق صواريخ.
يحمل الخطر الجديد اسم" إل نينيو" وقد لا يبدو مألوفاً، لكنه قد يكون أحد أكثر العوامل تأثيراً على الاقتصاد العالمي خلال الأشهر المقبلة.
" السوبر إل نينيو" مخاطر مناخية جديدة تقلق المستثمرين عالمياًفي مطلع هذا الشهر، أكدت الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي تشكّل ظاهرة إل نينيو في المحيط الهادئ، وتشير التوقعات الأولية إلى أنها قد تكون من أقوى الظواهر التي شهدها العالم منذ عقود.
لكن ما علاقة تيارات المحيط الهادئ بأسعار الغذاء والتضخم وحتى قرارات البنوك المركزية؟تبدأ القصة في قلب المحيط الهادئ، فتتحرك المياه الدافئة شرقاً بدلاً من اندفاعها نحو آسيا وأوقيانوسيا.
هو تغيرٌ بسيط في حركة المياه لكنه يعيد رسم خريطة الأمطار حول العالم، فيشهد مكان ما فيضانات، وآخر جفاف وموجات حر.
وهنا تبدأ سلسلة التداعيات فالمزارع تصبح أقل إنتاجاً والمحاصيل تتضرر وجودة المنتجات تنخفض وتخضع سلاسل الإمداد لضغوط، ويصبح الغذاء أكثر كلفة.
20 % من تقلبات تضخم السلع بسبب دورات المناخوتشير أبحاث مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى أن ما يقارب 20% من تقلبات تضخم أسعار السلع يرتبط بدورات المناخ.
وفي المتوسط، يمكن لظاهرة" إل نينيو" أن ترفع تضخم أسعار السلع الحقيقية بنحو 3% خلال فترة تتراوح بين 6 و12 شهراً ويكون التأثير الأكبر على السلع الغذائية، وهنا يكمن التحدي.
فالعالم لم يتعافَ بالكامل بعد من صدمة الطاقة.
والمزارعون ما زالوا يتحملون تكاليف مرتفعة للأسمدة والديزل، والبنك الدولي يتوقع ارتفاع أسعار السلع الأولية بنحو 16% خلال عام 2026، أي أن الأسواق تدخل هذه المرحلة وهي أصلاً في وضع هش، لكن التأثير لن يكون متساوياً.
وقد تواجه دول مثل أستراليا والهند وإندونيسيا وأجزاء من إفريقيا الجنوبية خسائر في الإنتاج الزراعي بسبب الجفاف وضعف الأمطار.
وفي المقابل، ربما تستفيد أجزاء من أميركا الجنوبية، خاصة منتجو فول الصويا في البرازيل والأرجنتين، من زيادة الأمطار.
أما الأسواق، فلا تنتظر الحصاد لأن الأسعار تتحرك بمجرد تغير التوقعات، يكفي توقع موسم جاف أو انخفاض في جودة المحاصيل لدفع الأسعار إلى الأعلى، وهنا تظهر السلع الأكثر حساسية.
يبدو أن محصول الكاكاو قد يكون الأكثر عرضة للمخاطر، فغانا وساحل العاج تنتجان نحو نصف إمدادات العالم، وقد أثبت التاريخ أن مواسم إل نينيو القوية غالباً ما تضغط على الإنتاج.
والقهوة أيضا ليست بعيدة عن الخطر، خصوصاً قهوة الروبوستا، مع اعتماد السوق العالمية بشكل كبير على فيتنام وإندونيسيا، حيث تؤدي الحرارة والجفاف إلى تراجع الإنتاج.
أما الأرز فقد يصبح الأكثر ارتباطاً بالأمن الغذائي.
فأي ضعف في الرياح الموسمية في آسيا قد ينعكس سريعاً على الإنتاج ويعيد المخاوف بشأن الأمن الغذائي إلى الواجهة.
لكن السكر أكثر مرونة، إذ تستطيع الهند تحويل جزء من إنتاج الإيثانول إلى السكر، ما قد يخفف من أثر أي نقص في الإنتاج.
والسؤال اليوم لم يعد فقط: هل سترتفع أسعار الغذاء؟ بل أصبح سلسلة من الأسئلة، هل نشهد موجة تضخم جديدة مصدرها هذه المرة الطقس؟ وهل تجد البنوك المركزية نفسها مضطرة لتأجيل خفض الفائدة؟ ليس بسبب النفط أو الحروب وإنما بسبب ظاهرة مناخية بدأت رحلتها في المحيط الهادئ وقد تنتهي على موائد المستهلكين حول العالم؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك