ما الذي يليق بالكتاب بعد سقوط الاستبداد؟ليست قيمة الثورات في أنها تبدّل الحكام فحسب، بل في أنها تغيّر أخلاق المجال العام.
وأخطر ما يمكن أن يحدث بعد سقوط الاستبداد أن تنتقل أدواته من يد إلى أخرى، وأن يبقى المنطق نفسه، وإن تغيّرت الشعارات والأسماء.
ومن هذا الباب، تبدو الطريقة التي يجري بها التعاطي مع اتحاد الكتاب العرب في سوريا، وما رافقها من منح عضوية شرف لاتحاد كتاب سوريا الأحرار، مناسبة للتأمل أكثر منها مناسبة للاصطفاف.
فالقضية لا تتعلق بمؤسسة ثقافية فحسب، وإنما بالسؤال الأكبر: كيف ينبغي للدولة الجديدة أن تنظر إلى الثقافة؟ وكيف ينبغي للكتّاب أنفسهم أن يتعاملوا مع ماضيهم المختلف؟قد يكون من الطبيعي أن يشعر كثيرون بالمرارة تجاه مؤسسة تحولت، عبر عقود، إلى أحد الأذرع الثقافية للنظام السابق، وأن يتطلعوا إلى قطيعة واضحة مع إرثها.
فهذا الاتحاد، في مراحل طويلة، لم يكن مجرد بيت للأدباء، بل كان، في كثير من الأحيان، جزءاً من البنية الرمزية التي منحت الاستبداد غطاءً ثقافياً، وأقصت أصواتاً كثيرة دفعت ثمن استقلالها نفياً وسجناً ومنعاً.
لكن من الطبيعي أيضاً ألا تتحول لحظة التحرر إلى لحظة تشفٍّ.
فآخر ما ينبغي أن يتميز به الكاتب هو التشفي.
الكاتب، بحكم مهنته الأخلاقية قبل موهبته الفنية، مطالب بأن يرى الإنسان حتى في خصمه، وأن يدافع عن العدالة لا عن الانتقام، وعن الحقيقة لا عن تصفية الحسابات.
وإذا كان السياسي قد يجد في الإقصاء وسيلة لإدارة الصراع، فإن الكاتب يفقد شيئاً من جوهره كلما اقترب من هذه الغريزة.
فالكتابة، في جوهرها، فعل تجاوز لا فعل ثأر.
ولعل أكثر ما يميز المبدع الحقيقي هو فرادته.
إنه لا يعيش داخل القطيع، حتى لو كان هذا القطيع على حق.
إنه يحتفظ دائماً بمسافة نقدية بينه وبين السلطة، أي سلطة، وبين الجماعة، أي جماعة.
ولذلك كانت علاقة الإبداع بالتبعية علاقة ملتبسة عبر التاريخ.
فالكاتب الذي يتحول إلى موظف سياسي، مهما كانت القضية التي يدافع عنها نبيلة، يخسر جزءاً من حريته، ومع الوقت يخسر شيئاً من تأثيره أيضاً.
إذ يصبح صوته متوقعاً، وموقفه معروفاً سلفاً، فتغيب عنه المفاجأة التي هي روح الأدب، ويذبل فيه السؤال الذي هو روح الفكر.
ليست المشكلة أن يكون للكاتب موقف سياسي، فالأدب العظيم لم يولد في الفراغ، وإنما المشكلة أن تتحول السياسة إلى وصي على الخيال، أو أن تتحول المؤسسة الحزبية إلى مرجعية نهائية للضمير الثقافي.
ولعل التجربة السورية تقدم نماذج بالغة الدلالة.
فالمفكر الطيب تيزيني، الذي ظل سنوات محسوباً على الفضاء الفكري اليساري القريب من السلطة في بعض مراحله، انتهى به الأمر إلى الوقوف مع مطالب الحرية حين انفجرت الثورة، مدركاً أن الفكر إذا لم ينحز إلى الإنسان فقد قيمته كلها.
وكذلك فعل صادق جلال العظم، الذي لم يكن خصماً تقليدياً للنظام في كل مراحل حياته، لكنه لم يتردد في إعلان موقف واضح إلى جانب الثورة عندما أصبحت الدماء السورية هي الحقيقة الكبرى التي لا يجوز للفيلسوف أن يتجاوزها.
ولم يكن هذان النموذجان استثناءً كاملاً.
فقد عرف الوسط الثقافي السوري عدداً من المثقفين والكتّاب اليساريين الذين استفادوا، بدرجات متفاوتة، من فضاء حكم البعث ومؤسساته الثقافية، لكنهم عندما تحولت البلاد إلى ساحات قتل واعتقال وتهجير، اكتشفوا أن الانتماء الأخلاقي أعلى من الانتماء الحزبي، وأن الدم يعيد ترتيب الأولويات كلها.
وهنا تكمن قيمة المثقف الحقيقي.
إنه لا يقاس بعدد بيانات التأييد التي كتبها، ولا بعدد المناصب الثقافية التي شغلها، بل بقدرته على مراجعة نفسه عندما تتغير الوقائع، وبشجاعته في الاعتراف بأن الإنسان أهم من الأيديولوجيا.
ولهذا، فإن الدولة السورية الجديدة ستكون أمام اختبار بالغ الحساسية.
هل ستبني مؤسسات ثقافية مستقلة، يتساوى فيها الجميع أمام معايير الإبداع والكفاءة؟ أم ستستبدل ولاءً بولاء، واتحاداً باتحاد، وقائمة سوداء بقائمة أخرى؟إن منح التكريم أو عضوية الشرف لأي كيان ثقافي قد يحمل دلالة رمزية مفهومة في سياق الاعتراف بتضحيات كتّاب حُرموا طويلاً من حقهم الطبيعي في التعبير، لكن هذا الاعتراف يفقد جزءاً من معناه إذا تحول إلى إعلان انتصار فريق ثقافي على فريق آخر.
فالثقافة ليست ساحة غلبة، وإنما فضاء تعدد.
لقد عانت سوريا طويلاً من اتحادات تكتب وفق ما تريده السلطة، لا وفق ما يمليه الضمير.
ولن يكون من الحكمة أن تنتقل من نموذج يحتكر الثقافة باسم الدولة إلى نموذج يحتكرها باسم الثورة.
والمؤسسة الثقافية التي تولد من رحم الحرية يجب أن تتسع لكل صاحب قلم، مهما اختلفت خلفيته، ما دام لم تتلطخ يده بالتحريض على القتل أو التبرير المباشر للاستبداد.
أما الاختلاف الفكري والسياسي، فهو مادة الثقافة، لا سبب إلغائها.
إن الأمم التي تخرج من الحروب تحتاج إلى ذاكرة عادلة، لا إلى ذاكرة منتقمة.
وتحتاج إلى كتّاب يضمدون الجراح، لا إلى كتّاب يوسعونها.
فالثورات قد تنتصر بالسلاح، لكنها لا تنتصر في التاريخ إلا بالأخلاق.
وأحسب أن الكاتب السوري اليوم أمام فرصة نادرة ليعيد تعريف دوره.
ليس بوصفه تابعاً للسلطة الجديدة، ولا ناطقاً باسم المعارضة القديمة، وإنما بوصفه ضميراً مستقلاً للأمة، يراقب الجميع، وينتقد الجميع، وينحاز دائماً إلى الإنسان.
ففي النهاية، لا يبقى من الأنظمة إلا ما تكتبه عنها الكتب، ولا يبقى من الثورات إلا ما يحفظه الأدب.
أما الكاتب، فلا يخلده انتصاره على خصومه، وإنما يخلده انتصاره على نزعة التشفي داخله، وتمسكه بحريته حتى وهو يقف في صف العدالة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك