د.
م.
جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكيخطبة الجمعة.
هل آن الأوان لتوحيد موضوعها؟تحتل خطبة الجمعة مكانة رفيعة في الإسلام، فهي ليست مجرد موعظة أسبوعية، بل منبر تربوي وإصلاحي تتجدد من خلاله معاني الدين، وتُعالج به قضايا المجتمع، وتُرسخ فيه القيم والأخلاق.
ويستمع إليها آلاف المصلين في وقت واحد، مما يجعلها من أكثر وسائل التأثير المباشر في المجتمع.
ومن هنا تبرز أهمية التساؤل: هل حان الوقت لأن تتولى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تحديد موضوع خطبة الجمعة، بدلاً من تركه لاجتهاد كل خطيب؟قد يكون ترك الحرية للخطيب في اختيار الموضوع مناسبًا في بعض الدول ذات المساحات الشاسعة، أو التي تختلف فيها البيئات الاجتماعية والاقتصادية بين مدينة وأخرى، فتتباين احتياجات الناس من منطقة إلى أخرى.
أما في دولة قطر، فإن الواقع مختلف؛ فالمجتمع متقارب، والمساحة الجغرافية محدودة، والقضايا التي تشغل المواطنين والمقيمين تكاد تكون واحدة، سواء تعلقت بالأسرة، أو تربية الأبناء، أو تعزيز الهوية الوطنية، أو مكافحة المخدرات، أو المحافظة على القيم الإسلامية، أو ترسيخ ثقافة احترام القانون والمسؤولية المجتمعية.
ومن هذا المنطلق، فإن توحيد موضوع خطبة الجمعة لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره تقييدًا للخطيب، وإنما بوصفه تنظيمًا للرسالة التي يحملها المنبر.
فالخطيب سيظل صاحب الكلمة والأسلوب والاستدلال، لكنه يتحرك ضمن موضوع يخدم مصلحة المجتمع ويحقق أهداف الدعوة في مرحلة معينة.
فالفرق كبير بين توحيد الموضوع وتوحيد النص؛ إذ يمكن أن يتناول جميع الخطباء القضية نفسها، بينما يعرض كل منهم الخطبة بلغته وأسلوبه وأدلته العلمية والشرعية.
إن ترك الموضوع لاجتهاد كل خطيب قد يؤدي إلى تفاوت ملحوظ بين المساجد، فقد يتناول أحدهم قضية تمس واقع الناس بصورة مباشرة، بينما يختار آخر موضوعًا مكررًا أو بعيدًا عن احتياجات المجتمع، وقد يركز ثالث على مسائل خلافية أو قضايا جزئية لا تمثل أولوية في ذلك الوقت.
والنتيجة أن الرسالة الأسبوعية للمنبر تتفرق، بينما تحتاج المجتمعات الحديثة إلى خطاب منظم يعالج أولوياتها بصورة متدرجة ومدروسة.
ومن هنا، فإن إعداد خطة سنوية أو نصف سنوية لموضوعات خطب الجمعة سيكون خطوة تطويرية مهمة.
فإدارة المساجد تمتلك من الإمكانات والخبرات ما يؤهلها لرصد احتياجات المجتمع، والاستفادة من الدراسات والبحوث والإحصاءات الرسمية في تحديد الموضوعات الأكثر أهمية، سواء كانت دينية أو أخلاقية أو اجتماعية أو وطنية.
كما يمكن إشراك العلماء والخطباء وأساتذة الجامعات في اقتراح الموضوعات، لتخرج الخطة بعد دراسة علمية تحقق التكامل بين التأصيل الشرعي ومتطلبات الواقع.
وإذا رأى أحد الخطباء أن هناك حدثًا طارئًا أو قضية تستحق التناول خارج الخطة المعتمدة، فمن المناسب أن يتقدم بطلب إلى إدارة المساجد لاعتماد الموضوع قبل إلقائه.
وهذه الآلية لا تمثل رقابة على الخطيب بقدر ما تمثل تنظيمًا للعمل الدعوي، وضمانًا لوحدة الرسالة، وصونًا للمنبر من الاجتهادات الفردية التي قد لا تحقق المصلحة العامة.
إن وزارة الأوقاف لا يقتصر دورها على بناء المساجد وإدارتها، بل يمتد إلى قيادة الخطاب الديني وتوجيهه بما يخدم الدين والوطن والمجتمع.
فالمنبر شريك في بناء الإنسان، وداعم للاستقرار الفكري، ومساند لجهود الدولة في حماية الأسرة والشباب، وتعزيز قيم الاعتدال والانتماء والمسؤولية.
إن توحيد موضوع خطبة الجمعة في قطر لا ينتقص من مكانة الخطيب، بل يمنحه إطارًا واضحًا يتحرك من خلاله، ويجعل الرسالة التي تصل إلى المصلين أكثر انسجامًا وتأثيرًا.
فالغاية ليست تقييد الاجتهاد، وإنما توجيهه لخدمة المجتمع وتحقيق مقاصد الشريعة.
ولعل الوقت قد حان لإطلاق مبادرة وطنية تتبناها وزارة الأوقاف، تقوم على إعداد برنامج سنوي لموضوعات خطب الجمعة، مع ترك مساحة للإبداع في أسلوب العرض، حتى يظل المنبر منارةً للعلم، ومنبرًا للوحدة، وأداةً فاعلة في بناء مجتمع أكثر وعيًا وتماسكًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك