قناة الجزيرة مباشر - US Official: Technical Talks Between Washington and Tehran Continue الجزيرة نت - ريال مدريد يتجاوز إنجاز برشلونة 1994 ويكتب التاريخ في كأس العالم العربي الجديد - الشرطة تحقق في تبرعات حزب "الإصلاح البريطاني" قبل انتخابات 2024 الجزيرة نت - رفع سوريا من "قائمة الإرهاب" يكسر عزلتها الرقمية؟ القدس العربي - مجلس الولايات الألمانية يؤيد تجريم الإنكار العلني لحق إسرائيل في الوجود قناة القاهرة الإخبارية - نشرة أخبار الثالثة عصرا من القاهرة الإخبارية قناه الحدث - إيران تتوعد بضرب إسرائيل في حال مهاجمة بناها التحتية العربي الجديد - خاص | وفد قطري يجري مباحثات في مشهد لخفض التصعيد بين طهران وواشنطن الجزيرة نت - الإمارات العالمية للألومنيوم تستأنف عمليات مصفاة الطويلة العربية نت - رويترز: مفاوضون قطريون سيلتقون مسؤولين إيرانيين في طهران لتهدئة التوترات
عامة

ليونيل ميسي.. ماذا يبقى من الأسطورة حين تخبو الموهبة؟

الجزيرة نت
الجزيرة نت منذ 1 ساعة
1

" أريد الفوز باللقب الثالث، أريد أن أصبح بطل العالم. ودييغو. . نراه في السماء، مع دون دييغو ولا توتا [والدا مارادونا]، يشجعون ليونيل"بهذه الكلمات احتفل لاعبو الأرجنتين ومشجّعوها بكأس العالم في قطر، ...

" أريد الفوز باللقب الثالث، أريد أن أصبح بطل العالم.

ودييغو.

نراه في السماء، مع دون دييغو ولا توتا [والدا مارادونا]، يشجعون ليونيل"بهذه الكلمات احتفل لاعبو الأرجنتين ومشجّعوها بكأس العالم في قطر، مساء 18 ديسمبر/كانون الأول 2022.

وفي وسطهم وقف ليونيل ميسي، الأسطورة الصغيرة، يبتسم ويغني.

ونقول" الأسطورة الصغيرة" لأنه حتى في تلك اللحظة، لحظة الانتصار الذي جاء بعد طول انتظار ومعاناة ما كان ليتحملها معظم لاعبي جيله، كان ظل الأسطورة الأكبر يلاحقه، ويهمس له أنه حتى لو جاء بالكأس، وحتى لو نال رضا الجماهير المجنونة باللعبة، فلن يبلغ في خيال الأرجنتين مكانة" قديس" كرتها وصاحب الرقم 10 إلى الأبد: دييغو أرماندو مارادونا.

لاحظ النشيد نفسه، حتى في ليلة تتويج ميسي، كان مارادونا حاضرا في الأغنية، يشجعه من السماء.

لم تستطع الأرجنتين أن تحتفل بأحدهما دون أن تستدعي الآخر.

في تلك الليلة كانت قصة خفية تكتب سطورها الأخيرة.

في اللحظة التي رفع فيها ميسي الكأس، سدد دينه كاملا لبلاده وعشاقه، مرة واحدة وإلى الأبد كما يقول التعبير الإنجليزي.

لم يعد مدينا لبلده الأم وجماهيرها التي انتظرت أكثر من 20 عاما حصوله هو تحديدا على الكأس، ولا للملايين من محبيه حول العالم، ولا لعشاق اللعبة الذين رأوا أنه لا سبيل للاعتراف به أسطورة قبل أن يحضرها لهم.

وقد فعل، ودفع الثمن غاليا في المقابل.

list 1 of 2الشركة التي تحول ألمانيا إلى مصنع أسلحة لأوروباlist 2 of 2ترمب وسانشيز.

جذور الصراع بين أمريكا وإسبانيالم تكن حكاية ميسي حكاية نجم آخر يتحد مع الكرة داخل الملعب ثم يصنع العواصف خارجه، كما اعتدنا من كثيرين.

كان رجل بيت بامتياز؛ ينتهي من اللعب ليعود إلى زوجته وأولاده، لا يصنع الأزمات ولا يشارك فيها، بل يتحرى الحيطة إلى درجة أزعجت مشجعيه أنفسهم؛ إذ أرادوا نجما كمارادونا يشاركهم عفويتهم ويتخطى الخطوط الحمراء؛ فأكثر الناس يعشقون الدراما.

لم يكن ميسي كمارادونا، ولم يطلب يوما أن يكون.

لكن الناس، لحسن حظه أو سوئه، وضعوه إلى جانب المعجزة وطلبوا منه أن يصير معجزة أخرى.

وحكاية ميسي، باختصار، حكاية فتى حمل ثقل أمة كاملة قبل أن يستوعب معنى النجومية وأثمانها الباهظة.

" ميسي يرحل، وقريبا لن تتحدث عنه وسائل الإعلام كل يوم"ثم إن لهذه الحكاية سؤالا مؤجلا.

نكتب هذه السطور وميسي يخوض آخر مونديال له على الأرجح، وقد أصبح الهداف التاريخي لكأس العالم (يلاحقه الفرنسي كيليان مبابي).

لقد صارت كل الأرقام في صفه.

لكن الروائي والصحافي الأرجنتيني مارتن كاباروس كتب قبيل البطولة، ما يشبه رثاء مبكرا: ميسي يرحل، وقريبا، أي بعد بضعة أشهر، أو عام على الأكثر، لن تتحدث عنه وسائل الإعلام كل يوم، ولن نتحدث عنه نحن الملايين كل يوم؛ سيلزم أن يحدث له شيء" مهم"، مثل أن يذهب إلى الشاطئ مع أولاده ويراه المعجبون، أو أن يتناول عشاء مع زوجته أمام الكاميرات كي نذكر اسمه أصلا.

سيكون غريبا عليه أن يعيش بعيدا عنا قليلا، وغريبا علينا أن نعيش من دونه تقريبا.

سننساه شيئا فشيئا.

فما الذي يبقى، إذن، من الأسطورة حين تخبو الموهبة التي لم يعرف بسواها؟ هذا هو السؤال الذي نحاول أن نقترب منه، متخذين من ميسي دليلا إلى عالم صارت فيه الكرة أكثر من مجرد لعبة، وتحول اللاعب إلى أكثر من مجرد لاعب، وأصبح الصمت نفسه موقفا يستثمر.

روزاريو.

الطفل الذي لعب بالحصىفي إحدى مبارياته الأولى، وهو بعد طفل في مدينة روزاريو الأرجنتينية، انشغل ليونيل بحصوات وجدها على أرض الملعب.

كانت المباراة تجري من حوله وهو منكب على الحجارة الصغيرة، شاردا، لا يبدو منتبها إلى شيء.

ثم وصلته الكرة.

عندها فقط، يروي من شهدوا تلك السنوات، تحول الطفل الشارد إلى كائن آخر.

تكاد هذه الصورة تختصر مسيرة ميسي وشخصيته، فبطل القصة انطوائي بعمق، يبدو غير قادر على التركيز إلا حين تلمس الكرة قدمه أو توشك.

" كطفل، لطالما لعبت الكرة في الجوار"، هكذا يستهل ميسي الحديث عن نفسه في موقعه الإلكتروني.

بدأ الأمر عام 1991 عندما كان ليونيل في سن الرابعة، في بلد" كان الجميع فيه مهووسين بكرة القدم".

أمه تعمل في محل للملفات المغناطيسية، وأبوه مشرف في مصنع للصلب، وجدته هي التي دفعته إلى الالتحاق بناد بدل اللعب مع الأطفال في الحي.

حين كبر وصار يسجل بدأ برفع سبابتيه إلى السماء بعد كل هدف، وظل يفعلها 20 عاما تكريما لتلك الجدة التي لم تشهد ما صار إليه.

" في جسد الطفل ليونيل كان ثمة عطب يوشك أن يكون مقعدا"لكن في جسد الطفل كان ثمة عطب يوشك أن يكون مقعدا.

في سن العاشرة تقريبا شخص ليونيل بنقص في هرمون النمو.

كان العلاج ممكنا لكنه مكلف إذ بلغ نحو 900 دولار شهريا، وقاسيا إذ كان على الصبي أن يتعلم أن يعطي لنفسه حقنا يومية في الساقين.

يحكي ميسي كيف كانت العملية مؤلمة، لكنها كانت بالنسبة إليه تضحية مقبولة من أجل الحلم.

بالتأكيد، لم تكن أسرته متوسطة الحال قادرة على دفع تكاليف علاجه، ثم رأى ناديه الأول، نيولز أولد بويز، الكلفة باهظة فتوقف عن الدفع.

وهنا تفترق حكاية ميسي عن آلاف الحكايات المشابهة لأطفال موهوبين أوقفهم المرض أو الفقر، جاء ناد واحد وقال" نعم" وتكفل بالعلاج، فحزمت العائلة أمتعتها إلى إسبانيا، وتحديدا برشلونة.

في خريف عام 2000، وصل الفتى ابن الثالثة عشرة إلى برشلونة لإجراء تجربة أمام مسؤولي النادي.

أبهرهم في الملعب، لكنهم ترددوا طويلا بسبب مرضه، كان الأمر يعني التعاقد مع مراهق أجنبي والالتزام بتغطية علاج مكلف لسنوات مع نتيجة غير مضمونة.

في النهاية، حسم المدير الرياضي كارليس ريكساتش الجدل على طريقته.

وفي 14 ديسمبر/كانون الأول، وعلى منديل ورقي في أحد نوادي التنس بالمدينة، خط بضعة أسطر يتعهد فيها النادي بالتعاقد مع الصبي، ووقعها بحضور الوسيطين اللذين رتبا الصفقة.

صار ذلك المنديل أشهر قصاصة في تاريخ الكرة.

كان التفاوض الحقيقي أبعد ما يكون عن العاطفة أو الرغبة في مساعدة طفل موهوب.

لم يكن خورخي مستعدا للموافقة قبل أن يضمن الرقم الذي يراه حقا للفتى: 100 مليون بيزيتا في الموسم (نحو 600 ألف دولار).

صحيح أن العائلة لم تكن تملك 900 دولار شهريا التي يتطلبها العلاج؛ لكنها أدارت المفاوضات وهي على يقين أنها تساوم على أصل ثمين.

في عام 2001 انتقلت العائلة بأكملها إلى العاصمة الكتالونية.

لكن الغربة لم تطل، فخلال أشهر قليلة، حزمت الأم سيليا وأبناؤها الثلاثة -رودريغو وماتياس وماريا سول- أمتعتهم عائدين إلى روزاريو، وتركوا الأب والابن وحدهما في شقة متواضعة قرب كامب نو.

هناك عاش ليونيل وأبوه سنواتهم الأولى كزميلي سكن في مسلسل كوميدي، يأكلان الطعام الجاهز، ويقضيان وقتهما أمام ألعاب الفيديو حتى نشأت بينهما رابطة نادرة في قوتها.

وكان من طبع هذه العائلة الانغلاق أصلا؛ فحين غادرت الأرجنتين مطلع الألفية، لم تخبر حتى أقرب الناس إليها بالرحيل، وهي سمة من الحذر والريبة من الغرباء ظلت تلازم اللاعب طوال مسيرته.

" حين تملك أصلا بحجم ليونيل، فإن ذلك يمنحك اليد العليا في أي مساومة"أما داخل النادي فتكشفت صلابة مالية لم تفارق العائلة يوما.

بعد عام من وصول الفتى، تساءل مدير عام جديد عن سبب دفع ما يقارب 120 ألف يورو سنويا لصبي لم يخض بعد مباراة رسمية واحدة؛ فما كان من والده خورخي إلا أن أطلق تلميحات عن اهتمام ريال مدريد بابنه.

نجحت المناورة، وفي غضون 18 شهرا فقط، أعادت العائلة التفاوض على 3 عقود متتالية، صعودا في كل مرة.

وقبل أن يمر 3 سنوات على أول ظهور رسمي لميسي مع الفريق الأول، كان قد تجاوز رونالدينيو نفسه ليصبح أعلى لاعبي النادي أجرا.

رأى كثيرون في الأب رجلا عسيرا في التعامل؛ ولعله لم يكن سوى أب أدرك القيمة الاستثنائية لابنه قبل أن يلحق العالم بالركب.

فحين تملك أصلا بحجم ليونيل، فإن ذلك يمنحك اليد العليا في أي مساومة.

في قراءة كاباروس عن ميسي، يبدو اللاعب الأسطورة" منتجا حزينا للأرجنتين في حالتها الراهنة".

فهو صبي اضطر لمغادرة بلده في مطلع مراهقته ليتلقى علاجا يمنحه السنتيمترات التي يحتاجها كي يكبر، لا في الجسد فحسب، بل في العالم.

وطنه لم يستطع، أو لم يرد، أن يمنحه ذلك العلاج، فصار بعيدا غريبا، لا يعيش في وطنه لكنه ظل يتكلم كأنه يعيش فيه، يحمل في رأسه حيا" روزاريا" صغيرا ويسكنه منذ ذلك الحين.

إنه المهاجر النموذجي لهذا الزمن، من يرحل ويبقى في آن واحد.

لكن الطفل ميسي كان يبكي من قسوة الوضع.

" زملائي كانوا ضخاما وخشنين، لم يكونوا يلتفتون إليّ، يتكلمون الكتالونية فيما بينهم"، بهذا روى ميسي بعض تفاصيل سنواته الأولى هناك.

" بكيت كثيرا.

كنت أغلق على نفسي الغرفة وأبكي بحرقة في السر.

لم أكن أريد لأبي أن يعرف".

ولأن العديد من قراء هذه السطور يعرفون هذا النوع من الرحيل القسري معرفة حميمة، فإن قصة ميسي ليست قصة طفل ثري ذهب ليلهو في مدينة أوروبية، بل قصة طفل هاجر مضطرا لأن وطنه كان أعجز من أن يحتويه.

ثمة رجل واحد في كرة القدم الأرجنتينية لا يجوز تحقيره أو الانتقاص منه.

أحبت الأرجنتين مارادونا كما لم تحب أحدا، وغفرت له كل شيء، حتى أنشأت له كنيسة صار لها أتباع ربطوا" الكريسماس" بيوم ميلاده.

وحين خبا نجم البطل الأوحد، أرادت الأمة وريثا يحل محله ويأتيها بالكأس من جديد.

هنا دخل ميسي اللعبة بوصفه وريثا لتركة ما كان أحد ليحتملها.

في سن 17 عاما، كان نجم ميسي يصعد في سماء برشلونة، وحين سئل عما إذا كان مستعدا لحمل الرقم 10 مكان رونالدينيو، أجاب بلا تردد كبير: " نعم، أعتقد ذلك".

كان الفتى مدركا لحجم حلمه، لكنه لم يتوقع ما سيحدث تاليا.

فقد فاقت التوقعات من ميسي ما كان يتوقعه الجميع من رونالدينيو، بل ومن أقرانه جميعا، لتضعه توقعات الجماهير الأرجنتينية خلفا للأكبر، مارادونا.

كان كل ما يفعله يعيد قصة مارادونا وينبئ بأنه الأسطورة القادمة التي ستأتي بالكأس، أو هكذا أراد له الناس، بينما كل ما أراده هو أن يلعب الكرة التي يحبها وأن يعيش حياة عادية.

قال ميسي مرة" أحيانا أريد أن أكون مجهولا لا يتعرف عليّ أحد".

لكنه هو نفسه من قال في وقت آخر: " جميعنا نريد الفوز، وأنا أريد الفوز أكثر من أي شخص آخر".

وليس هذا التناقض غريبا على رجل أراد تحقيق كل شيء في هذه اللعبة، وكان يحلم ألا يضطر إلى دفع الثمن كاملا.

" أرادت الأرجنتين من ميسي أن يأتي لها بالبطولات مثلما فعل في برشلونة"لقد أرادت له الأرجنتين أن يأتي لها بالبطولات مثلما فعل في برشلونة تماما، وأن يلعب بين صفوف فريقه القومي الذي لا ينضم إليه إلا كل 4 سنوات، تماما كما يلعب مع زملائه يوميا في كامب نو، وكان هذا مستحيلا على أي أحد، حتى على موهبة لا ينكرها أحد مثل ليو.

لكن وبغض النظر عن الموهبة، كان ثمة عقبات أكبر تقف في طريق تحقيق ميسي لكأس العالم، ولم تكن مفاجأة أن يكون أكبرها وأهمها، وربما أكثرها إذلالا لميسي، هي الفتى الذهبي السابق نفسه: مارادونا.

في ثاني مشاركاته في كأس العالم 2010، وكان ميسي في سن 23 عاما، وقف أمام اختبار أن يقود منتخب بلاده إلى الكأس تحت الإدارة الفنية للأسطورة مارادونا.

كان كل شيء فوضويا تحت إدارة مارادونا الذي لم يعرف كيف يدير فريقا أو يدربه، كما يخبرنا المحلل الرياضي والكاتب لؤي فوزي في حديث خاص لميدان.

أدرك ميسي مبكرا أنه سيكون الضحية، وأن أحدا في بلاده لن يلقي باللوم على مارادونا مهما أخطأ.

خرجت الأرجنتين من ربع النهائي بهزيمة مذلة أمام ألمانيا، 4 مقابل لا شيء.

ويروي فرناندو سيغنوريني، مدرب اللياقة الأرجنتيني آنذاك، مشهد ميسي وهو يترنح داخلا إلى غرفة الملابس كأنه شبح، ثم ينهار أرضا، منكفئا في فجوة بين مقعدين، يصرخ ويعوي، " شبه متشنج".

هذه صورة اللاعب الذي قيل عنه إنه لا يكترث بقميص بلاده، إنه يغمغم النشيد الوطني بدل أن يصدح به كما كان مارادونا يفعل.

لكن الحقيقة أنه كان يكترث أكثر من اللازم.

صار ميسي ضحية ذلك المونديال وكل مونديال تلاه حتى 2022.

أحرق قميصه في شوارع الأرجنتين، واتهم بالخيانة والتخاذل، وبأن انتماءه لناديه الإسباني أهم عنده من وطنه الأم.

وبحلول عام 2016 صار العبء أثقل من أن يحتمل.

وصلت الأرجنتين إلى نهائي كوبا أميركا لتخسر مع ميسي المبارة النهائية للمرة الرابعة (مرة في كأس العالم وثلاث مرات في كوبا أميركا).

بعد المباراة، وبدموع مكتومة أعلن اللاعب الذي لم يكمل الـ30 بعد، اعتزاله اللعب الدولي قائلا: " بالنسبة لي، انتهى المنتخب.

فعلت كل ما أستطيع.

في أربعة نهائيات؛ حاولت.

كان أكثر شيء أردته على الإطلاق، لكنني لم أنله".

ثم تراجع عن الاعتزال بعد أيام.

وفي جملة بليغة يشرح أوليفر كاي، الكاتب في صحيفة نيويورك تايمز ما جرى بالقول إن ميسي شعر بأنه غير قادر على تحمل عبء آمال أمته وأحلامها، لكنه أدرك أيضا أنه لا يستطيع العيش من دونها.

" أُحرق قميص ميسي في شوارع الأرجنتين، واتهم بالخيانة والتخاذل، وبأن انتماءه لناديه الإسباني أهم عنده من وطنه الأم"ولم يكن مارادونا رحيما بوريثه.

قبل وفاته بعامين، وبعد عقدين قضاهما مستمتعا بحالة التأليه التي أسبغتها عليه بلاده، قال: " يجب ألا نؤله ميسي بعد الآن.

إنه ميسي حين يلعب لبرشلونة، لكنه ميسي آخر مع الأرجنتين.

هو لاعب عظيم لكنه ليس قائدا".

ثم أضاف عبارة من أقسى ما قيل في حق ليو ساخرا: " من العبث أن تحاول بناء قائد من رجل يذهب إلى المرحاض 20 مرة قبل كل مباراة".

كانت ضربة رخيصة، لكن تلك الاتهامات تكررت طوال مسيرته الدولية، من غياب الشخصية، إلى غياب القيادة، والعجز عن أن يكون مارادونا.

غير أن في هذه اللازمة نفسها خديعة يجدر تفكيكها.

فمارادونا، الذي يقدم رمزا للقدرة على تحمل الضغط، خرج من مونديال 1982 مطرودا بعد ركلة غاضبة، ومن مونديال 1994 موقوفا لتعاطيه منشطا محظورا.

وزيدان، أيقونة فرنسا، طرد في نهائي 2006 لنطحه خصما.

والبرازيلي رونالدو أصيب بنوبة غامضة صباح نهائي 1998، وقال لاحقا عن وطأة التوقعات: " الظاهرة لا يمكن أن تفشل، ولا أن تتألم، ولا أن تتوقف عن إحراز الأهداف".

الخلاصة أن عظماء اللعبة جميعا انهاروا تحت الضغط في لحظة ما.

لم يكن ميسي وحده هشّا؛ كان فقط الأكثر مراقبة حين انكسر، ربما لأنه حمل أثقل التوقعات.

أن يقارن رجلان من شعب بأكمله وبهذا الإلحاح طوال عقدين، فذلك لأن في المقارنة ما يتجاوزهما معا.

مارادونا، بكل ما أوتي من موهبة وحب، لم يستطع أن يحافظ عليهما طويلا؛ لم تكد تنتهي فضيحة في حياته حتى تبدأ أخرى، من المنشطات إلى ما هو أدهى، حتى صارت مسيرته كلها على حافة الهاوية.

ولا ننسى أن أشهر ألقابه، " يد الإله"، ولد من هدف سجله بيده في شباك إنجلترا عام 1986 في حادثة غش صريح صارت أسطورة تروى بفخر كوميدي.

في المقابل، نادرا ما يتجاوز ميسي الحدود.

لم يفتعل المشكلات في مبارياته، وفعل كل شيء ضمن حدود المعقول لنجم كانت الجماهير ستغفر له أي شيء مثلما غفرت لمارادونا.

وضع ليو الحدود لنفسه في كل مرة، وفي كل مرة لم يتجاوزها.

ولعل التفسير الأقرب أنه أدرك، بدهاء البرغوث -وهو اللقب الإسباني لا بولغا (la pulga) الذي لقب به ميسي لصغر حجمه وقدرته على المراوغة والتحكم بالكرة- أن قاعدته الجماهيرية حول العالم قد تغفر له أي خطأ، لكن الأرجنتين لن تفعل، على الأقل قبل أن يحقق لها ما تريد.

" أدرك ميسي أن قاعدته الجماهيرية حول العالم قد تغفر له أي خطأ، لكن الأرجنتين لن تفعل، على الأقل قبل أن يحقق لها ما تريد"صاغ كاباروس هذا التقابل في ثنائية بالقول" كان مارادونا تجسيدا للدراما؛ كل ما فعله بدا مستحيلا.

كان يسير دائما على حافة الهاوية، وعندما لم يسقط، كان من الواضح أنه يصنع فنا.

أما ميسي فيمثل الكفاءة؛ يجعل المستحيل يبدو سهلا للغاية، وكأنه بلا قيمة، فيقول الجميع: بالتأكيد، أمي تستطيع فعل ذلك وهي ترتدي كعبا عاليا، حتى يدركوا أن ما فعله كان مستحيلا بالفعل".

والمفارقة أن الثنائية تمتد خارج الملعب، فالدراما ملأت حياة مارادونا خارج الملعب، أما ميسي فالأب العائلي الرصين، المستثمر الآمن، الذي لم يكسر صحنا قط أو هكذا أراد أن نصدق؛ فثمة من يقول، كما يلمح كاباروس بخبث، إن طريقته في ممارسة سلطته أكثر دهاء وخفاء مما تبدو.

ولم تكن سلطته وهما، ففي سنوات برشلونة الأخيرة، توالى المدربون وصار مفهوما أن النجم أقوى ممن يجلس على مقعد التدريب.

ويبدو أنه كان يبرز سلطته تلك حتى قال له أحدهم، وهو خيراردو" تاتا" مارتينو، ما معناه: " أعرف أنك لو اتصلت بالرئيس وطلبت إقالتي لأقالني في اليوم التالي؛ أرجوك، لا تثبت لي ذلك كل يوم".

أما عن اللعب نفسه، فقد ذهب كاتب أرجنتيني آخر، هو هرنان كاسياري، إلى الصورة الأبعد في نص شهير عنوانه" ميسي كلب".

لاحظ كاسياري أن عيني ميسي وهو يطارد الكرة تشبهان عيني كلب كان يملكه في طفولته حين يطارد إسفنجة، تملأ بؤبؤه نظرة مفرطة الاستغراق لا ترى شيئا سوى هدفها.

ميسي، في رؤية كاسياري، أول كلب يلعب كرة القدم.

فهو لا يفهم بيروقراطية اللعبة، ولا يتصنع السقوط، ولا يحتج على الحكم، إنه يريد الكرة في الشباك فحسب، كما كان اللاعبون في فجر اللعبة، قبل البطاقات والقوانين والتمثيل.

لقد جاء صبي" مريض" من روزاريو ليعيد إلى اللعبة صفاءها بعد أن كدره الزمان.

ومع ذلك فهو في الوقت نفسه أذكى من وطئ العشب.

إنها تلك العادة التي حيرت الجميع حيث يتمشى ببطء حين لا تكون الكرة بحوزته، خلافا لكل ما يلقن للأطفال، لم تكن تلك العادة كسلا، بل اقتصادا في الطاقة وقراءة لحركة المدافعين، كلاعب شطرنج يدرس الرقعة قبل أن ينقض.

وتحاول الأرقام أن تصفه فتعجز: معدل 0.

79 هدفا في المباراة على مدى أكثر من 20 عاما، لم يبلغه أحد سواه.

لكن أصدق وصف جاء من غريمه وزميله السابق كيليان مبابي، الذي روى أنهم كانوا يتدربون على التسديد من نقطة واحدة، هو ونيمار وآخرون، فيسجلون 6 أو 7 من 9.

" ثم جاء ميسي وسجل الهدف نفسه 9 مرات، كأنه يمرر للمرمى، واحدة تلو الأخرى، كلها متطابقة".

" مارادونا كان الفنان الملهم الذي يصنع المعجزة على حافة الفوضى؛ أما ميسي فحرفي يكرر المستحيل بإتقان حتى يبدو سهلا"عنون كاباروس البروفايل الذي كتبه عن ميسي بعبارة" الصانع الأمهر".

العبارة أطلقها دانتي في الكوميديا الإلهية على شاعر سبقه، ثم استعادها الشاعر الأمريكي ت.

س.

إليوت ليهدي بها قصيدته إلى شاعر آخر.

ومعناها الحرفي" الحداد الأمهر"، أي الصانع الذي يتقن طرق المعدن، لا فنان يهبط عليه الإلهام.

وهنا مقصد كاباروس، أن ميسي ليس مارادونا.

مارادونا كان الفنان الملهم الذي يصنع المعجزة على حافة الفوضى؛ أما ميسي فحرفي يكرر المستحيل بإتقان حتى يبدو سهلا.

المشكلة أن" الكفاءة" كلمة باهتة، توحي برتابة موظف مجتهد لا بشطحات فنان عبقري.

يعترف كاباروس بذلك، ثم يعطي ميسي حقه كاملا، فصحيح أن الكفاءة كلمة رتيبة حين تصف عملا عاديا يؤدى بإتقان، لكن بماذا نسميها حين يكون الإتقان نفسه معجزة لا يقدر عليها أحد سواك؟ في تلك الحال لا اسم لها في اللغة، إلا أن يكون اسمها ميسي.

" سؤال إلى ليونيل ميسي: 5 كرات ذهبية أم كأس عالم واحدة؟ – الجواب: كأس العالم، بالتأكيد"قال ليو ذلك قبل سنوات من منجزه الأعظم في الدوحة، وكانت الإجابة نبوءة وحكما معا.

فقسوة هذه المهنة أن صاحبها يبني كيانه كله على جسد، والجسد بطبيعته خائن.

بدأت حكاية ميسي بعطب في الغدد، وها هي تقارب نهايتها بجسد يتباطأ.

القمة في كرة القدم قصيرة، يقضي اللاعب سنوات قليلة في أوج تفوقه، ثم يبدأ المنحدر، وما إن يتقن المرء صنعته حتى يبدأ جسده في خذلانه.

ومع تقدم السن فعل ميسي عكس غريمه اللدود، فبينما تقدم رونالدو في الملعب صائدا للأهداف قرب المرمى، تراجع ميسي إلى الخلف، فطور شغفا بالتمريرات الحاسمة، وتبنى دور صانع الألعاب البعيد.

تراجعت سرعته لكن بقي العقل حادا كما كان.

لهذا كان توقيت حصوله على كأس العالم قاسيا إلى حد الرثاء.

لم يفز بها في أوجه، بل في عمر الخامسة والثلاثين، بعد أن انقضت أهم سنوات عمره في تسديد الدين لا في الاستمتاع باللعبة التي أحبها أكثر من أي شيء.

وحين جاءت معركته في قطر، بدأت بكارثة مثلتها الهزيمة في المباراة الافتتاحية أمام السعودية، في واحدة من أكبر مفاجآت البطولة.

ظن بعضهم أن القصة ستنتهي قبل أن تبدأ.

ثم جاء هدفه في مرمى المكسيك ليقلب كل شيء، وتوالت الليالي، فتمريرة لهدف مولينا أمام هولندا اخترقت 6 مدافعين دفعة واحدة، في أمسية مشحونة استفز فيها ميسي مدرب الخصم واضعا يديه خلف أذنيه في تحد لم نعرفه عنه من قبل، لم يكن ميسي يوما أكثر" مارادونية" مما كان في تلك البطولة، كما لاحظ دانييل أركوتشي، كاتب سيرة مارادونا.

ثم النهائي الذي وصفه كثيرون بأنه الأعظم على الإطلاق: تقدم أرجنتيني مريح بهدفين، ثم تعادل فرنسي، ثم تقدم أرجنتيني آخر وتعادل جديد في الوقت الإضافي، وأخيرا ركلات الترجيح.

" فاز ميسي، رغم كل جهده لأن حارس فريقه مد ساقه اليسرى في اللحظة الحاسمة، ولأن مدافعا شابا سدد ركلته الأخيرة بثبات"فاز ميسي، رغم كل جهده، بل ورغم استحقاقه، لأن حارس فريقه مد ساقه اليسرى في اللحظة الحاسمة قبل النهاية، ولأن مدافعا شابا سدد ركلته الأخيرة بثبات.

غريبة هذه الحياة، فلو أن غونزالو مونتيل سدد تلك الكرة خارج المرمى أو تصدى لها الحارس، لكانت حياة ميسي كلها قد تحولت إلى" فشل كبير" كما يقول كاباروس.

نعم، كان ميسي لاعبا جيدا، كان ممتازا، لكنه حتى تلك اللحظة لم يكن بطلا للعالم.

هكذا يختصر الحكم على مسيرة أسطورية وعذاب عقدين في قدم لاعب جاء من مقاعد الاحتياطي.

وحين أشار ميسي لعائلته في مدرجات لوسيل بأن كل شيء انتهى، كان قد سدد الدين، وانفتحت أمامه أبواب من الاستمتاع باللعبة لم يعهدها من قبل.

ما بعد 2022 صار لاعبا آخر بين صفوف الأرجنتين؛ يلعب كأنه بين زملائه القدامى في برشلونة، بل يلعب زملاؤه من أجله، وكأن كل رقم قياسي جديد يكسره البرغوث يصب في قائمة نجاحاتهم هم.

وحين يسأل عن الاعتزال يجيب: " من الممتع أن تكون حاضرا وأن تقدر اللحظة.

أن تكون محاطا بزملائك الأصغر سنا؛ نظرا لعمري، يجعلني هذا أشعر مرة أخرى أنني طفل.

أجدني أفعل أشياء مضحكة لأنني أشعر براحة شديدة".

طفل في الأربعين تقريبا.

كأن تسديد الدين حرر فيه صبيا ظل حبيسا 20 عاما، فبدأ" طفولته" الكروية في اللحظة التي كان معظم أقرانه فيها قد اعتزلوا.

ولا يكتمل قوس هذه الحكاية دون الرجل الذي شارك ميسي العرش عقدين كاملين.

فإذا كان مارادونا شبح ميسي الأرجنتيني، فإن كريستيانو رونالدو غريمه الحي: " الدون" -أي السيد بالبرتغالية- الذي يناقضه تناقض الليل والنهار.

جاء كلاهما من عائلة متواضعة تحلم بمستقبل أفضل لأبنائها، وتقاسما جوائز العالم وألقابه حتى صار وجود أحدهما، بشكل ما، سببا لوجود الآخر؛ وقد قالها رونالدو نفسه: وجود ميسي دفعني لأصبح لاعبا أفضل، ووجودي دفعه للمثل.

لكن المنافسة لم تتوقف يوما عند حدود المستطيل الأخضر.

في جانب، ابن الأرجنتين الذي يريد أحيانا أن يمشي في الشارع" مجهولا لا يتعرف عليه أحد"، ويعود إلى البيت بمجرد انتهاء المباراة.

وفي الجانب الآخر، رجل لم يخفِ حبه لنفسه وصورته.

في إحدى مقابلاته، حين سئل عن عدد سياراته، أصر أولا أنه" لا يعرف" وأنه حتى" لا يرى سياراته" المتراصة في مرأبه، ثم اعترف بأنها نحو 41 سيارة" للاستثمار" كما قال، لا للركوب.

أحب الدون صورته حبا جما وبذل لأجلها كل طاقته، حتى صار أول لاعب كرة تتجاوز أرباح مسيرته مليار دولار.

والإغراء هنا سهل في أن نجعل المنافسة معركة بين الخير والشر، بين البرغوث الخجول الذي لا يحب سوى اللعب، والدون المتباهي الذي يعشق مرأته كالساحرة في" بياض الثلج".

لكنها ثنائية كاذبة، وقضايا الضرائب -التي طالت الاثنين معا في إسبانيا- أول من يفضحها؛ فلعلهما، حين تنطفئ الأضواء، ليسا مختلفين إلى هذا الحد.

غير أن فارقا واحدا ظل عصيا على المحو، فالأرقام التي طالما تذرع بها رونالدو لإثبات أفضليته انحازت في النهاية إلى غريمه.

صار ميسي بطلا للعالم وهدافا تاريخيا للمونديال، وبقي الدون بعيدا عن الكأس التي طالما حلم بها هو الآخر لإثبات أفضليته.

ومع ذلك، فمن العبث إقناع كريستيانو بأن أحدا أفضل منه، كما هو من العبث إقناع ميسي بأن كأسا واحدة تكفيه ليخرج من عباءة مارادونا إلى الأبد.

لم يختر ميسي ظل مارادونا، تماما كما لم يختر صراعا دائما مع رونالدو؛ اختارتهما له الجماهير المتعطشة للفوز في كل مرة، ولعنات الماضي التي تلاحق الأجيال جيلا بعد جيل.

فعندما تسطع موهبة، يلبسها الجمهور عباءة أسطورة سابقة، ثم يطلب منها أن تكون على قدر أحلامه، وحين تعجز، يصير التحقير أو حتى التخوين مصيرها.

" عندما تسطع موهبة، يلبسها الجمهور عباءة أسطورة سابقة، ثم يطلب منها أن تكون على قدر أحلامه، وحين تعجز، يصير التحقير أو حتى التخوين مصيرها"في عام 2013 شددت السلطات الإسبانية قبضتها على المخالفات المالية في كرة القدم، وكان ليو وأبوه من أوائل المستهدفين.

اتهمته السلطات بالتهرب من أكثر من 4 ملايين يورو من الضرائب بين عامي 2007 و2009، عبر تمرير عائدات حقوق الصورة في ملاذات ضريبية.

أمام المحكمة قال الأب إنه، منذ بداية مسيرة ابنه، " حاول أن يجعل حياته أسهل"؛ هو يلعب وأنا أرافقه كما أستطيع.

وقال اللاعب جملته التي ستلاحقه: " لم أكن أعرف شيئا، كنت مهتما فقط باللعب".

لقد كان ميسي يوقع، كما قال، أي عقد يوضع أمامه دون تفكير، واثقا بأن أباه يحمل مصلحته.

أدين الاثنان بثلاث تهم احتيال ضريبي، وصدرت بحقهما أحكام بالسجن مع وقف التنفيذ وغرامات كبيرة.

قاد الحكم كثيرين إلى الاستنتاج أن صورة ميسي النقية المصنوعة بعناية ربما تظل مجرد صورة.

لكن أبلغ من قرأ الرجل هي الصحفية الأرجنتينية مارسيلا مورا إي أراوخو، التي تابعت مسيرته منذ البداية وترى أنه لا يستحق مديحا ولا لوما على تعاملاته المالية: " أشك في أن لديه أيديولوجيا سياسية.

أعرف أنه يدعم مشاريع إنسانية كثيرة، لكنني لا أدري إن كان يفكر فيها كشيء مختلف عن بيع شفرات حلاقة لجيليت.

هو فقط يحب كرة القدم، ولم يدعُ يوما أنه شيء آخر".

ربما تمثل هذه الجملة مفتاح فهم، لا لميسي وحده، بل الكثيرين من المؤثرين في عالم اليوم، وهي أقسى من أي إدانة.

فمؤسسته الخيرية، التي أسسها عام 2007، تعمل فعلا وبجدية، إذ أعادت بناء مستشفى أطفال في روزاريو، وتتكفل بعلاج أطفال أرجنتينيين في إسبانيا، بل بنت مع اليونيسف فصولا دراسية مجهزة لمئات الأطفال السوريين الذين حرموا من الدراسة في سنوات الثورة والحرب.

لا مجال لإنكار أثر منظمة ميسي الخيرية.

لكن السؤال الذي تطرحه قراءة الصحفية الأرجنتينية: هل يدرك الرجل الفرق بين ظهوره لدعم دراسة أطفال سوريا وظهوره في إعلان لشفرات الحلاقة الأمريكية؟ أم أن الاثنين، في رأسه، مجرد" عقود" تمر عبر المكتب نفسه، بتوقيع لا يقرأ ما فوقه؟ إن نظاما كاملا، من عائلة ووكيل ورعاة ومحامين، يقوم على إبقاء اللاعب في تلك البراءة المربحة.

فهو يلعب فقط كما يقول، ويدار كل شيء آخر من حوله.

وحين يكسب رجل هذا القدر من المال دون أن يلتفت إلى العالم، فعلى العالم أن يتساءل عما يمثله هذا الرجل وأين يقف.

" حين يكسب رجل هذا القدر من المال دون أن يلتفت إلى العالم، فعلى العالم أن يتساءل عما يمثله هذا الرجل وأين يقف"حين عاد ميسي إلى باريس سان جيرمان بعد التتويج، متوجا بالكأس التي انتزعها من فرنسا نفسها، لم تحتمله الجماهير التي طالما هتفت له.

وميسي يحتاج إلى العاطفة ليقدم أفضل ما لديه، كما يقول لؤي فوزي.

فكان رحيله إلى إنتر ميامي سريعا.

وهناك، في البلد الذي لم تكن الكرة فيه اللعبة الأولى، بدأت الأرقام تتغير بسرعة مذهلة، فقفز عدد متابعي النادي بملايين بمجرد إعلان الصفقة، وتضاعفت أسعار تذاكر مبارياته في سوق إعادة البيع أضعافا خرافية، وقاد الفتى الفريق إلى أول ألقاب تاريخه، ثم إلى لقب الدوري نفسه.

يقول دون غاربر، مفوض الدوري الأمريكي: " ما لم تكن تعيش في عالم كرة القدم العالمية، يصعب عليك تخيل مدى جاذبية ليونيل ميسي وشعبيته ونجوميته.

إنه أشبه بلقاء مايكل جاكسون وتايلور سويفت، وهو يلعب في نادينا… أتمنى أن يبقى ميسي جزءا من الدوري الأمريكي إلى الأبد".

الأسطورة في زمان الرأسماليةمن المهم أن نؤكد أن كلمة" إلى الأبد" التي ختمت بها الفقرة السابقة ليست مبالغة عاطفية؛ إنها حسابات.

فنجاح ميسي في أمريكا لا يرتبط فقط بكونه لاعبا استثنائيا، بل بكونه" رهانا آمنا" لشركات الدعاية الضخمة ولأصحاب الأموال الذين يريدون الربح دون" وجع الرأس" الذي تسببه الآراء السياسية.

لم يثر ميسي المشاكل يوما، ولم تكن له آراء مثيرة للجدل، وإن كانت له فلم يعبر عنها على الملأ.

ظهر زميل له في مؤتمر صحافي مرتديا سماعات فاخرة تصنعها شركة أبل، قال إن ميسي أهداها لكل لاعب في الفريق، في تذكير مرئي أنيق بالعلاقة العضوية بين واحدة من أكبر شركات العالم وواحد من أكبر النجوم.

هذا بالضبط نوع" المؤثر" الذي تريده المنظومة، فهو شخص قادر على جمع الملايين حوله دون أن توضع علامات استفهام كثيرة حوله أو حول جمهوره.

هذه العلامات الاستفهامية هي ما حرص ميسي على تجنبه طوال مسيرته وفشل في ذلك أحيانا.

ولا أدل على ذلك من التقاطعات العرضية لمسيرته الرياضية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.

لم يتبرع ميسي لإسرائيل ولم يرفع شعاراتها كما تقول الشائعات المنتشرة، وبالتأكيد فإنه ليس يهوديا ولكنه مسيحي كاثوليكي يرسم الصليب أثناء احتفاله، لكنه لم يمانع من الدخول في علاقات إعلانية مع شركات إسرائيلية؛ من تعاقده مع شركة" سيرين لابس" الناشئة للتكنولوجيا، إلى ظهوره سفيرا إعلانيا لشركة" أوركام" التي قدمتها الخارجية الإسرائيلية بوصفها قصة نجاح وطنية، يقدمها للعالم أيقونة رياضية.

في الخلفية، يتمدد هذا الحضور التجاري فوق أرضية رمزية ثقيلة بدأت من جولة نادي برشلونة عام 2013 التي شملت زيارة القدس حيث وقف ميسي أمام حائط البراق مرتديا" الكيباه"، وظهوره بصحبة شيمون بيريز وبنيامين نتنياهو ثم صمته المعتاد إزاء الجدل الذي أثارته تلك الصور في العالم العربي.

قبل أن يلعب لاحقا دورا مركزيا في إلغاء مباراة الأرجنتين الودية في القدس عام 2018 حين باتت الضغوط على المنتخب الأرجنتيني وعلى ميسي نفسه أكبر من أن تحتمل.

" تبدو علاقة ميسي بإسرائيل امتدادا لمنطق المؤثر الآمن نفسه"بهذا المعنى، تبدو علاقة ميسي بإسرائيل امتدادا لمنطق" المؤثر الآمن" نفسه؛ فالرجل يحرص على البقاء خارج أي خطاب سياسي صريح، لكنه لا يكترث كثيرا لاستثمار صورته في بناء شرعية ناعمة لقوة استعمارية تضعه على ملصقاتها، وتستدعيه في حملاتها الإعلانية، وتمنحه عضوية شرفية في أحد أكثر أنديتها عنصرية، ما دام كل ذلك يأتي في قالب شراكات وعقود ومكاسب لا تُفسد الحكاية الكبرى عن نجم لا يقول شيئا، لكنه يشارك -بصمته- في قول الكثير.

ثم يأتي المشهد الذي يختصر كل ما نريد قوله عن المؤثر في عالم اليوم.

ففي مطلع مارس/آذار 2026، وقبل نحو 100 يوم من انطلاق المونديال على الأراضي الأمريكية، استقبل البيت الأبيض فريق إنتر ميامي احتفاء بلقب الدوري.

دخل ميسي القاعة الشرقية إلى جانب الرئيس دونالد ترمب شخصيا.

" إنه امتياز خاص أن أقول ما لم يتسنَّ لرئيس أمريكي أن يقوله من قبل: أهلا بك في البيت الأبيض، ليونيل ميسي".

غير أن الرئيس، قبل أن يلتفت إلى الرياضة، افتتح مراسم التكريم بالفخر بالحرب التي كان قد شنها على إيران للتو، فامتدح ما سماه" سحق العدو" الذي يواصله الجيش الأمريكي" مع شركائنا الإسرائيليين الرائعين"، والقاعة تصفق، وأبطال الدوري يقفون خلفه صفوفا.

ثم سلمه ميسي كرة وردية موقعة، وقميصا كتب عليه" ترمب" وتحته الرقم 47، وابتسم للكاميرات، ولم ينطق بكلمة واحدة طوال المراسم.

" عند هذه اللحظة يستحيل القول إن الرياضة منفصلة عن السياسة"لن نحمل المشهد أكثر مما يحتمل، فزيارة الفريق البطل للبيت الأبيض تقليد معتاد، ولم يكن ميسي أول رياضي كبير يقف في تلك القاعة ولن يكون آخرهم، بل سبقه غريمه القديم إلى عشاء فاخر هناك قبل أشهر.

وفي الأرجنتين انقسم الناس كعادتهم، فعاتبه بعضهم بشدة، وصاح آخرون بأنه ميسي وله أن يفعل ما يشاء.

لكن بلاغة المشهد لا تحتاج إلى كثير شرح، فهذا احتفال رياضي يفتتحه رئيس بتمجيد حرب تدور رحاها في بلد تشبه الأرجنتين أكثر مما تشبهها أمريكا، و" أعظم لاعب في التاريخ"، الذي مولت مؤسسته فصولا دراسية لأطفال شردتهم حرب أخرى، واقف إلى جانبه صامتا مبتسما، يسلمه كرة وردية مرصعة.

لم يقل ميسي شيئا لأن ميسي لا يقول شيئا أبدا.

لكن الصمت حين يكون من شخص بهذا الحجم، ومن على تلك المنصة بالذات، يقول الكثير عن المؤثر الذي صار" ديكورا".

يقدر كاباروس، من سنوات تجواله في أفريقيا، أن واحدا من كل 20 طفلا دون الـ15 كان يرتدي قميص برشلونة بالرقم 10.

وأفريقيا وحدها فيها نحو 300 مليون طفل دون الـ15؛ أي أنه في كل لحظة هناك نحو 20 مليون" ميسي" صغير يحمل الاسم على ظهره.

صورة تكاد لا تُصدق عن المدى الذي يبلغه اسم واحد من الشعبية.

الرهان الآمن ونهاية البطولة" " كرة القدم، ما هذا الجنون الساحر، القادر على إعلان هدنة من أجل المتعة البريئة؟ ما هذا الجنون القادر على تخفيف بطش الحرب وتحويل الصواريخ إلى ذباب مزعج؟ "بواسطة محمود درويش - ذاكرة للنسيانعند هذه اللحظة يستحيل القول إن الرياضة منفصلة عن السياسة، وإنها ليست سوى متعة وراحة للمشاهد بعيدا عن صخب العالم وكوارثه.

إن كرة القدم أصبحت في ذاتها تجسيدا للنظام نفسه، نظام يسعى إلى انتزاع جوهر اللعبة وتضمينها في نموذج أشد ارتباطا بالمكاسب المادية والسياسية، حتى تغدو اللعبة الشعبية جزءا لا يتجزأ من" الرأسمالية الجميلة" التي نعيشها ونعرفها الآن أكثر من أي وقت مضى.

لقد تركزت الثروة الكروية في حفنة من الدوريات الكبرى، وهذا في ذاته شكل من أشكال اللامساواة العالمية، وصارت رؤوس الأموال الضخمة، سيادية كانت أو خاصة، تشتري النجم لا لمهارته بل لصورته العامة، ولما تفعله تلك الصورة لمن يملكها.

وحين يجد اللاعب نفسه في قلب هذه المنظومة، يصبح الاشتباك مع قضايا الناس مكلفا أكثر من أي وقت؛ المبالاة صارت مخاطرة، والصمت صار مرادفا للعلامة التجارية.

ربما يبدو الأمر واضحا مع ميسي، وقد يكون واضحا مع لاعبين آخرين أراد منهم جمهورهم أن يقفوا بجانبهم حين كان لصوتهم أن يؤثر، في النهاية قد يدرك اللاعبون أنهم صاروا جزءا من هذه المنظومة، أو لا يدركون.

وفي الثانية غالبا عذر أقبح من ذنب.

تخيل ميسي بعد أن تنطفئ الأضواء، وفكر في أن تلك الراحة التي كانت على هامش حياته ستصير هي محورها.

ربما لن تكون من المبالغة التخمين أن ميسي يدرك الآن أنه مهما فعل بعد سن الأربعين، فلن يرقى شيء إلى ما قدمه بالفعل.

هذا هو الثمن الحقيقي.

ليس الحقن اليومية في الطفولة، ولا القمصان التي حرقها الأرجنتينيون، ولا المقارنة المستحيلة بأسطورة راحلة.

إن الثمن أن تبني حياة كاملة على موهبة واحدة، ثم تعيش ما تبقى من العمر في ظل ما كنتَه.

أن تصبح، وأنت لا تزال حيا، ذكرى نفسك.

ويبقى سؤال أخير، أثقل من سابقه.

بعد عقود من الآن، سيظل نجم مارادونا لامعا في سماء اللعبة رغم كل فضائحه، أو ربما بسببها، لأنه، حتى وهو يغش ويسقط ويتخبط، امتلك تلك الرغبة الساذجة المثالية في اتخاذ موقف ما.

كان صوته مرتفعا بكل عفويته وشعبويته وتناقضاته وربما انتهازيته أحيانا، ولم يهتم كثيرا بالطريقة التي أوصل بها رسالته.

أما ميسي فلم يرد أن يفعل شيئا سوى اللعب.

فهل تكفي 20 عاما أو أكثر من الموهبة الفذة، المحاصرة بين أسيجة الملاعب وأعمدتها، لترك أثر يذكر؟ أثر يلاحق صاحبه حتى بعد أن يغيبه الزمن، ويجعل منه -بتعبير درويش- شيئا ضد النسيان؟ أم أن ميسي، كمواهب هائلة كثيرة قبله، سيغدو قريبا أثرا بعد عين؟

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك