الخبير البيئي مصطفى بنرامل للأناضول:- إل نينيو تتسبب في انخفاض معدلات الأمطار وامتداد فترات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة- إل نينيو لا تشعل الحرائق بشكل مباشر، وإنما تهيئ الظروف المناخية لاندلاعها وانتشارها- مواجهة الحرائق تتطلب تعزيز المراقبة والإنذار المبكر والحد من مسببات التقلبات المناخية- موجة حر بالدول الإفريقية والعربية تنذر بارتفاع كبير في مؤشر خطر حرائق الغابات- هذه الظروف المناخية تستدعي رفع درجة اليقظة وتعزيز أنظمة الإنذار المبكرتعد ظاهرة" إل نينيو" من أبرز الظواهر المناخية الطبيعية التي تؤثر في مناخ العالم، وتنشأ نتيجة ارتفاع غير اعتيادي في درجة حرارة المياه السطحية للمحيط الهادئ الاستوائي الشرقي والأوسط، بسبب ضعف أو انعكاس الرياح التجارية التي تدفع عادة المياه الدافئة نحو غرب المحيط.
وفي مقابلة مع الأناضول، يقول الخبير البيئي المغربي مصطفى بنرامل: " رغم أن إل نينيو ظاهرة طبيعية متكررة، فإن التغير المناخي العالمي الناتج عن انبعاثات الغازات الدفيئة قد يزيد من شدة آثارها، عبر رفع درجات حرارة المحيطات وزيادة التطرف في الظواهر الجوية".
و" إل نينيو" هي ظاهرة طبيعية تصيب المحيطات كل 4 إلى 12 عاما، وترفع درجة حرارة المياه السطحية، بما يولد كتلا وتيارات مائية دافئة في المناطق المدارية ويحدث تغيرات مناخية.
وتضرب" إل نينيو" عددا من المناطق خلال الآونة الأخيرة، وما زالت مستمرة حتى الآن، ما يتسبب في ارتفاع درجات الحرارة.
وفي 7 يوليو/ تموز الجاري، حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة من ارتفاع وتيرة هذه الظاهرة خلال الفترة المقبلة، ما سيتسبب في ارتفاع مخاطر العواصف وموجات الجفاف والفيضانات في مناطق واسعة من العالم.
وأوضحت المنظمة أن تأثيرات إل نينيو مرشحة للتصاعد خلال الأشهر المقبلة، مع توقع بلوغها ذروتها بين شهري يوليو/ تموز وسبتمبر/ أيلول، نتيجة استمرار ارتفاع درجات حرارة سطح البحر في المحيط الهادئ الاستوائي، وهو ما يزيد من احتمالات الظواهر الجوية المتطرفة في الكثير من المناطق.
ويشير بنرامل إلى أن ظاهرة" إل نينيو" خلفت آثارا كبيرة في مختلف أنحاء العالم؛ ففي بيرو والإكوادور، تسببت في أمطار غزيرة وفيضانات مدمرة وانهيارات أرضية، بينما شهدت أستراليا وإندونيسيا موجات جفاف حادة وحرائق غابات واسعة نتيجة تراجع التساقطات".
ويضيف: " في القرن الإفريقي، أدت بعض موجات إل نينيو إلى فيضانات واسعة النطاق، في حين ساهمت في سنوات أخرى في تفاقم الجفاف وانعدام الأمن الغذائي".
ويعتبر بنرامل أن" مناطق من أمريكا الشمالية شهدت اضطرابات مناخية تمثلت في عواصف قوية وتغيرات في أنماط الهطول".
خلال يوليو الحالي، اندلعت حرائق واسعة في عدة مناطق، خاصة في أوروبا، حيث أجلت السلطات الفرنسية نحو عشرة آلاف شخص من 24 بلدة وقرية جنوبي البلاد.
كما أتت الحرائق على آلاف الهكتارات في إسبانيا والبرتغال واليونان، مع بقاء بعض البؤر نشطة في بداية يوليو.
وفي 4 يوليو الجاري، أرسلت إسبانيا والمغرب مساعدات عاجلة إلى البرتغال للمساهمة في مكافحة خمسة حرائق غابات كبيرة اندلعت في مناطق مختلفة من البلاد.
وجاءت هذه المساعدات بعدما فعّل رئيس الوزراء البرتغالي لويس مونتينيغرو آلية الحماية المدنية التابعة للاتحاد الأوروبي لمواجهة حرائق الغابات المستمرة في خمس مناطق تصنف على أنها عالية الخطورة.
ويلفت بنرامل إلى أن" ظاهرة إل نينيو تؤدي إلى ارتفاع وتيرة حرائق الغابات عبر إحداث تغيرات كبيرة في أنماط الطقس؛ إذ تتسبب في انخفاض معدلات الأمطار وامتداد فترات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وانخفاض رطوبة التربة والغطاء النباتي في العديد من مناطق العالم".
ويوضح أنه" عندما تجف الأشجار والأعشاب، تتحول إلى وقود شديد الاشتعال، فتزداد احتمالات اندلاع الحرائق وانتشارها بسرعة، خاصة مع هبوب الرياح القوية".
وبحسب بنرامل، فإن" موجات الحر المصاحبة لإل نينيو تؤدي إلى تبخر كميات أكبر من المياه، ما يزيد من إجهاد النظم البيئية ويضعف مقاومة الغابات للحرائق".
ومضى قائلا: " مع تكرار الظاهرة وتزامنها مع آثار التغير المناخي، تصبح الحرائق أكثر شدة واتساعا وأطول مدة، وهو ما شهدناه في السنوات الأخيرة في منطقة دول البحر الأبيض المتوسط في ضفتيه الأوروبية والإفريقية وكندا وأستراليا وأجزاء من غابات الأمازون وأمريكا الجنوبية، حيث سجلت حرائق غير مسبوقة من حيث المساحة والخسائر البيئية والاقتصادية".
ويؤكد بنرامل أن" إل نينيو لا تشعل الحرائق بشكل مباشر، وإنما تهيئ الظروف المناخية المثالية لاندلاعها وانتشارها، بينما يبقى السبب المباشر في كثير من الحالات مرتبطا بالنشاط البشري، مثل الإهمال أو الحرق العشوائي أو الصواعق الطبيعية".
ويبين أن" مواجهة هذا الخطر تتطلب تعزيز المراقبة والإنذار المبكر، وتدبير الغابات بشكل مستدام، والحد من مسببات التغير المناخي، إلى جانب رفع الوعي المجتمعي خلال فترات ارتفاع المخاطر".
ويلفت الخبير المغربي إلى أن" العديد من الدول الإفريقية والعربية، وخاصة شمال إفريقيا، تشهد خلال الأيام الأخيرة موجة حر استثنائية نتيجة تزامن عدة عوامل مناخية وجوية".
ويضيف أن" في مقدمة هذه العوامل تمدد المرتفع الجوي شبه المداري، الذي يعمل كقبة حرارية تحبس الهواء الساخن بالقرب من سطح الأرض، إلى جانب اندفاع كتل هوائية صحراوية شديدة الحرارة والجفاف من عمق الصحراء الكبرى نحو المناطق الشمالية، فضلا عن ارتفاع درجات حرارة سطح البحر الأبيض المتوسط، الذي أصبح بدوره أكثر دفئا بفعل التغير المناخي، ما يؤثر في دينامية الغلاف الجوي".
أما عن طبيعة هذه الظاهرة، فيوضح بنرامل أنه" من المهم التمييز بين موجات الحر باعتبارها ظاهرة مناخية طبيعية تحدث بين الحين والآخر، وبين تزايد حدتها وتكرارها ومدتها، وهو ما تؤكد الدراسات العلمية أنه يرتبط بشكل مباشر بالتغير المناخي الناجم عن ارتفاع تركيزات الغازات الدفيئة".
ويلفت إلى أن العالم" يشهد اليوم ارتفاعا في متوسط درجات الحرارة، ما يجعل موجات الحر أكثر شدة واتساعا وتأثيرا مقارنة بما كانت عليه قبل عقود".
ويتابع: " تنذر هذه الظروف بارتفاع كبير في مؤشر خطر حرائق الغابات، خاصة مع جفاف الغطاء النباتي وانخفاض رطوبة التربة وهبوب الرياح المحلية، وهو ما يستدعي رفع درجة اليقظة، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتكثيف مراقبة المجالات الغابوية، وتوعية المواطنين بخطورة أي سلوك قد يتسبب في اندلاع الحرائق، لأن الوقاية تبقى الوسيلة الأكثر فعالية لحماية الأرواح والثروات الطبيعية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك