كان لي شرف حضور هذه الاحتفالية الوطنية المهمة، التي لم تكن مجرد مناسبة رسمية عابرة، بل كانت مشهداً كاملاً يعكس حجم الجهد المبذول في بناء الدولة المصرية الحديثة.
فمنذ اللحظة الأولى، بدا واضحاً أن ما نراه ليس افتتاحاً لمقر جديد فحسب، وإنما كان إعلاناً عن مرحلة متقدمة من التخطيط والجاهزية والرؤية الشاملة، وبين تفاصيل التنظيم، ودقة العرض، وهيبة الحضور، كان السؤال يفرض نفسه بإعجاب ودهشة: يا مصر بتعمليها إزاي؟يا مصر بتعمليها إزاي؟
سؤال يتردد كلما حققت الدولة إنجازاً جديداً يثير إعجاب العالم ويدهشه.
فالكثيرون يحاولون البحث عن سر الإنجازات المتلاحقة التي تتحقق على أرض مصر، لكنهم يقفون حائرين أمام ما يمكن وصفه بـ«شفرة العبقرية المصرية» التي استعصت على التفسير.
ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تُبهر فيها مصر العالم، فقد تكرر ذلك عبر محطات عديدة من تاريخها، إلا أن ما شهدناه خلال الأسبوع الماضي كان نموذجاً جديداً يؤكد أن الدولة المصرية تمضي بخطى واثقة نحو بناء مستقبل أكثر قوة وقدرة.
فقد افتتح الرئيس عبدالفتاح السيسي مقر القيادة الاستراتيجية للدولة «الأوكتاجون»، أحد أكبر وأحدث مراكز القيادة والسيطرة في المنطقة، ثم شهد استعراض إمكانيات أجهزة الدولة في مواجهة الأزمات والكوارث، في رسالة واضحة تؤكد أن بناء الدولة الحديثة لا يقتصر على تنفيذ المشروعات العملاقة، بل يمتد إلى بناء مؤسسات تمتلك أعلى درجات الجاهزية والقدرة على إدارة مختلف التحديات بكفاءة واحترافية.
وفي عالم تتغير فيه طبيعة الصراعات بوتيرة متسارعة، لم تعد القوة العسكرية وحدها هي الفيصل، بل أصبحت منظومات القيادة والسيطرة، وسرعة تداول المعلومات، والتكامل بين مؤسسات الدولة، والقدرة على استشراف المستقبل، هي العناصر الحاسمة في حماية الأمن القومي، ومن هذا المنطلق، يصبح الأوكتاجون أكثر من مجرد مبنى حديث، إنه تجسيد لفلسفة ترى أن الأمن يبدأ بالتخطيط والاستعداد، وليس بردود الفعل.
وليس من قبيل المصادفة أن يقام هذا الصرح في قلب العاصمة الإدارية الجديدة، التي تمثل في حد ذاتها نموذجاً لفكر الدولة المصرية في الجمهورية الجديدة.
فالعاصمة ليست مجرد انتقال جغرافي، بل انتقال إلى أسلوب مختلف في إدارة الدولة يعتمد على التكنولوجيا والكفاءة والقدرة على مواكبة التحديات المستقبلية، وهو ما يجعل وجود القيادة الاستراتيجية في هذا الموقع امتداداً طبيعياً لهذه الرؤية.
لقد أوضح الرئيس عبدالفتاح السيسي هذه الفلسفة عندما أكد أن القيادة الاستراتيجية ليست معنية بإدارة العمليات العسكرية فحسب، وإنما تمثل ركيزة أساسية في قدرة الدولة على التعامل مع التحديات، والظروف الاستثنائية وفق رؤية شاملة ونظم متطورة.
وهذه الرؤية تعكس إدراكاً عميقاً لطبيعة التهديدات الحديثة، التي لم تعد تقتصر على الحروب التقليدية، وإنما تشمل الهجمات السيبرانية، وحروب المعلومات، والضغوط الاقتصادية، ومحاولات زعزعة استقرار الدول.
ومن هنا، فإن الاستثمار في منظومة قيادة استراتيجية متقدمة لا يهدف فقط إلى إدارة الأزمات عند وقوعها، وإنما إلى استباقها، وتعزيز قدرة الدولة على اتخاذ القرار السريع والدقيق في مختلف الظروف.
ولعل من أهم الرسائل التي حملها افتتاح الأوكتاجون أن القوة في المفهوم المصري ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لحماية السلام وصون الاستقرار، فمصر تؤمن بأن السلام الحقيقي يحتاج إلى قوة تحميه، وأن الحفاظ على مقدرات الدولة يتطلب مؤسسات قادرة على الردع بقدر قدرتها على الحكمة وضبط النفس.
كما أن افتتاح هذا الصرح يأتي امتداداً لمسيرة بناء الدولة التي انطلقت خلال السنوات الماضية، حيث خاضت مصر في وقت واحد معركتين متوازيتين.
الأولى ضد الإرهاب، والثانية من أجل التنمية الشاملة.
ورغم ما واجهته المنطقة والعالم من تحديات متلاحقة، بدءاً من الإرهاب، مروراً بجائحة كورونا، والأزمات الاقتصادية العالمية، وصولاً إلى التوترات الإقليمية، واصلت الدولة تنفيذ مشروعاتها الاستراتيجية دون توقف، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الأمن والتنمية وجهان لعملة واحدة.
فلا تنمية حقيقية دون استقرار، ولا استقرار دائم دون مؤسسات قوية، ولا مستقبل آمن دون رؤية استراتيجية بعيدة المدى، لذلك لا يمكن النظر إلى الأوكتاجون بمعزل عن بقية مشروعات الدولة الكبرى، بل باعتباره جزءاً من منظومة متكاملة تستهدف بناء دولة حديثة تمتلك أدوات القوة الشاملة، سواء كانت اقتصادية أو تكنولوجية أو عسكرية أو إدارية.
إن قوة الدول لا تُقاس بضخامة منشآتها، وإنما بكفاءة مؤسساتها، وقدرتها على إدارة الأزمات، وحسن توظيف إمكاناتها، فالمباني يمكن تشييدها خلال سنوات، أما بناء منظومة متكاملة للقيادة وصناعة القرار فهو نتاج خبرات متراكمة، وعقيدة مؤسسية، وتخطيط طويل الأمد.
وفي هذا السياق، تكتسب كلمة «الاستراتيجية» معناها الحقيقي.
فهي ليست إدارة للحاضر فقط، بل قدرة على تصور المستقبل والاستعداد له، فالاستراتيجية تبدأ بالسؤال عن المكان الذي نريد أن تصل إليه مصر بعد سنوات، ثم العمل منذ اليوم على اتخاذ القرارات التي تجعل هذا المستقبل ممكناً.
ومستقبل الدولة بالطبع يكون في مدارسها وجامعاتها، وفي مصانعها ومراكز أبحاثها، وفي كفاءة مؤسساتها، وعدالة الفرص بين مواطنيها، وقدرتها على الابتكار وصناعة المعرفة، وعندما تتكامل هذه العناصر مع منظومة أمن قومي حديثة، تصبح الدولة أكثر قدرة على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل.
في النهاية.
يبقى الجيش المصري، كما كان دائماً، الدرع الحامية لهذا الوطن، والسند الصلب لدولته، والركيزة التي تحفظ لمصر أمنها وقرارها، واستقرارها في عالم لا يعترف إلا بالقوة والجاهزية، فهذا الجيش لم يكن يوماً مجرد مؤسسة عسكرية، بل كان عبر التاريخ مدرسة في الوطنية، والانضباط والتضحية، ورمزاً لقدرة المصريين على الصمود والبناء والانتصار في أصعب اللحظات.
إن ما رأيناه في الأوكتاجون ليس فقط تعبيراً عن تطور في منظومة القيادة والسيطرة، بل شهادة جديدة على عظمة القوات المسلحة المصرية، تلك المؤسسة الوطنية العريقة التي تجمع بين القوة والحكمة، وبين الردع والاتزان، وبين حماية الحدود، وصون مقدرات الدولة … جيش يعرف متى يكون السيف حاضراً، ومتى تكون الحكمة أقوى من السلاح، لكنه في كل الأحوال يظل مستعداً، يقظاً، ثابتاً، لا ينام عن أمن مصر، ولا يساوم على سيادتها.
ولذلك، حين نتحدث عن المستقبل، فإننا نتحدث عن دولة تقف خلفها قوات مسلحة عظيمة، لا تبني قوتها للاستعراض، وإنما لحماية السلام، ولا تمتلك الردع للتهديد، وإنما لصون الوطن، وحفظ كرامته.
فتحية تقدير واعتزاز لجيش مصر العظيم، جيش الشعب، وحارس الأرض، وصانع الطمأنينة في قلب كل مصري يؤمن أن هذا الوطن، مهما اشتدت التحديات من حوله، سيظل قوياً آمناً مرفوع الرأس، ما دام له جيش بهذه العقيدة، وقيادة بهذه الرؤية، وشعب يعرف قيمة وطنه ويقدره.
دائماً وأبداً حفظك الله يا بلادي، قائداً وجيشاً وشعباً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك