لا يستطيع مؤرخ، مهما أوتي من أدوات التحليل البارد، أن ينظر إلى ما جرى في الأيام القليلة الماضية عبر الموانئ والمطارات المصرية وتحديداً في مطار العلمين وعلى إمتداد الساحل الشمالي ويمر عليه مرور الكرام، إننا هنا لسنا أمام مجرد حدث رياضي تنتهي مفاعيله بصافرة حكم، أو بخروج دراماتيكي لمنتخب كرة قدم من ثمن نهائي كأس العالم 2026 في أتلانتا أمام الأرجنتين، نحن، ويا للعجب، أمام تجسيد حي وظاهرة إجتماعية وسياسية بإمتياز، تستدعي في الذاكرة المصرية تلك اللحظات النادرة التي تلتحم فيها روح الشعب لتصنع من الإنكسار العابر جسراً لولادة قومية جديدة.
إن هذا المونديال منح ملايين المصريين أول فرحة جماعية حقيقية منذ خمسة عشر عاماً، وهنا يكمن السر الكبير؛ كرة القدم في مصر لم تكن يوماً مجرد لعبة، بل هي، في حقيقة الأمر، المعادل الموضوعي للسياسة حين تغيب أدوات التعبير، وهي الملاذ الآمن لأمة تبحث عن هويتها في لحظات الأزمات الإقتصادية الطاحنة.
حين عاد الفراعنة إلى أرض الوطن، لم يستقبلهم الشعب كمهزومين خرجوا بضربات ترجيحية أو بهزيمة متأخرة بنتيجة (3-2) بعد أن كانوا متقدمين بهدفين نظيفين على رفاق ليونيل ميسي، بل كان المشهد أشبه بعودة المحاربين القدامى من جبهة القتال، طوابير من البشر، أعلام ترفرف، حشود تهتف باسم المدرب حسام حسن وقائد الفريق محمد صلاح، إن هذا الإستقبال الأسطوري في مطار العلمين الجديدة، ومسيرات الحافلة المكشوفة، ليس تكريماً لـ أداء مشرف فحسب، بل هو إعلان صريح من وجدان هذا الشعب بأنه إسترد روحه الكامنة.
وتجعلك تنظر بذهول إلى هذه الطاقة المتفجرة، مصر التي تعيش ضغوطاً إقتصادية عنيفة، وتضخماً يثقل كاهل الطبقات المتوسطة والفقيرة، تناست لأسابيع كل همومها اليومية، وإلتفت حول علم واحد، هذا التحول النفسي الجماعي يُثبت أن مصر أمة صبورة، قد تنحني أمام العواصف الإقتصادية، لكنها تملك مخزوناً حضارياً من كبرياء النفس يشتعل في اللحظة المناسبة، ولم يقتصر الأمر على حدود الوادي والدلتا؛ بل إمتدت هذه الروح لتشمل الساحات العربية من طرابلس إلى بيروت، وصولاً إلى غزة المحاصرة، حيث نُصبت الشاشات للنازحين الذين رأوا في صمود الفراعنة صموداً لكرامتهم الجريحة، لقد كان حسام حسن يرفع العلم الفلسطيني، وكان الشباب في غزة يلتفون بالعلم المصري، في مشهد تجاوز المستطيل الأخضر إلى فضاء القومية الرحب،وفي المقابل، لا يمكننا قراءة المشهد بمعزل عن الصراع السياسي الإقليمي المحتدم، ففي غمرة هذا التلاحم العربي حول المنتخب المصري، تداولت منصات التواصل الإجتماعي بكثافة تصريحات وصوراً منسوبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعلن فيها دعمه الصارخ للمنتخب الأرجنتيني، مدفوعاً بالتقارب السياسي الأخير بين تل أبيب والرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، الذي يسير في ركاب السياسة الإسرائيلية بشكل غير مسبوق.
إسرائيل تجد في الأرجنتين الحليف الأقرب اليوم في أمريكا اللاتينية، وفي المقابل، ترى في الإلتفاف الشعبي العربي حول فريق حسام حسن الذي تبنى القضية الفلسطينية جهاراً نهاراً في المؤتمرات الصحفية، خطراً رمزياً يعيد إحياء العروبة والتضامن الإقليمي الذي ظن البعض أنه مات ودفن تحت ركام معاهدات التطبيع، إن الرياضة هنا تحولت إلى ساحة صراع دبلوماسي صامت، وحرب رموز تعكس عمق الفجوة بين وجدان الشعوب وحسابات الأنظمة،إن هذا المنتخب قد صاغ عقداً إجتماعياً جديداً مع الجماهير، لم يعد النصر يُقاس بكأس يوضع في خزائن إتحاد الكرة، بل بـ الروح القتالية التي إفتقدها الشارع طويلاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك