الخرطوم ـ «القدس العربي»: تتواصل حالة الجدل السياسي في السودان، على خلفية تسريبات حول استمرار التشاور بخصوص المقترح الأمريكي لوقف إطلاق النار، في وقت تتصاعد فيه الدعوات إلى إعلان تفاصيل أي مفاوضات للرأي العام.
جاء ذلك في أعقاب سجال دبلوماسي بين الخرطوم ومستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، عقب جلسة مجلس الأمن الدولي الأخيرة التي أعادت ملف الحرب السودانية إلى واجهة الاهتمام الدولي.
وأثارت تصريحات مسؤولين سودانيين، إلى جانب ما ورد في إحاطة المبعوث الأمريكي أمام مجلس الأمن، تساؤلات حول مسار الاتصالات الجارية بين الحكومة السودانية والوسطاء الدوليين، وما إذا كانت المفاوضات قد انتقلت بالفعل إلى مرحلة تبادل المقترحات والأوراق الفنية، رغم عدم الإعلان رسمياً عن انطلاق جولة تفاوض جديدة.
وفي هذا السياق، دعا القيادي في الكتلة الديمقراطية، مبارك أردول، إلى أن تكون جميع إجراءات التفاوض بين أطراف النزاع علنية وشفافة، معتبراً أن الحرب والسلام ومستقبل الحكم في السودان، قضايا وطنية لا تخص جهة بعينها، وإنما تهم جميع السودانيين.
وقال إن تداول معلومات عن تبادل أوراق بين الأطراف يمثل مؤشراً على استمرار العملية التفاوضية، مضيفاً: «طالما وصل النقاش بين الأطراف إلى تبادل الأوراق، فهذا يعني أن التفاوض مستمر، ومن الضروري أن يكون في النور».
واعتبر أن إطلاع الرأي العام على مجريات التفاوض يمثل ضرورة لتعزيز الثقة ومنع تداول المعلومات المتضاربة أو التسريبات غير المؤكدة.
وتأتي تصريحات أردول بعد تقارير إعلامية وتسريبات تحدثت عن مشاورات تجري بعيداً عن الأضواء بشأن مقترح أمريكي يستهدف التوصل إلى هدنة إنسانية تمهد لاستئناف العملية السياسية، وهو ما لم تؤكده الحكومة السودانية رسمياً، لكنها في الوقت ذاته لم تنف وجود اتصالات مع الوسطاء الدوليين.
وفي موازاة ذلك، شدد المستشار السياسي لرئيس مجلس السيادة السوداني، أمجد فريد، على رفض أي مساعٍ ترى الحكومة أنها تستهدف فرض واقع سياسي جديد عبر الاعتراف بسيطرة قوات «الدعم السريع» على أجزاء من البلاد.
وقال إن «محاولات فرض التقسيم على السودان كأمر واقع محكوم عليها بالفشل منذ البداية سواء جاءت من الباب أو الشباك»، مؤكداً أن قوات الدعم السريع «ليست طرفاً سياسياً له أساس اجتماعي»، ووصفها بأنها تنظيم ذو «طابع فاشي» لا يمثل قاعدة اجتماعية حقيقية داخل السودان.
وأضاف أن بعض الدوائر في المجتمع الدولي تسعى إلى إضفاء شرعية على سيطرة الدعم السريع على مناطق من البلاد باعتبار ذلك مدخلاً لوقف الحرب، معتبراً أن هذا النهج لن يؤدي إلى السلام، وإنما سيؤدي إلى إطالة أمد الصراع وتعقيد فرص التوصل إلى تسوية مستدامة.
ويعكس حديث فريد، حسب حديث المحلل السياسي إبراهيم عبد الله لـ« القدس العربي»، تمسك الحكومة السودانية بموقفها المعلن الرافض لأي ترتيبات سياسية أو أمنية تمنح قوات «الدعم» وضعاً دائماً داخل المدن أو تعترف بسيطرتها الميدانية، وهو موقف ظلت الخرطوم تؤكد أنه يمثل أحد الثوابت في أي عملية تفاوض مستقبلية.
سجال حول المقترح الأمريكي وخطة الحكومة لإنهاء الحربوكانت جلسة مجلس الأمن الدولي الأخيرة قد شهدت سجالاً بعد الإحاطة التي قدمها بولس، والتي قال فيها إن الحكومة السودانية رفضت مقترحاً أمريكياً للتسوية ووقف إطلاق النار، في تصريحات أثارت ردود فعل رسمية من الخرطوم.
وعقب الجلسة، أصدرت وزارة الخارجية السودانية بياناً انتقدت فيه ما ورد في إحاطة بولس، معتبرة أن حديثه لا يعكس حقيقة الموقف السوداني من المبادرات المطروحة، وأنه تجاهل الجهود التي بذلتها الحكومة في إطار البحث عن تسوية تنهي الحرب وفق أسس تضمن الحفاظ على وحدة البلاد وسيادتها.
وأكدت أن الحكومة لم ترفض مبدأ وقف إطلاق النار أو الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب، وإنما تتمسك بضرورة معالجة جذور الأزمة الأمنية، وفي مقدمتها انسحاب قوات الدعم السريع من المدن والأحياء السكنية والمؤسسات المدنية، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لأي اتفاق دائم.
وشددت الوزارة على أن أي مبادرة لا تتضمن ترتيبات واضحة لإنهاء الوجود العسكري لقوات الدعم السريع داخل المناطق المدنية لن تحقق السلام المنشود، بل قد تؤدي إلى تثبيت واقع ميداني ترفضه الحكومة السودانية.
وخلال الجلسة نفسها، قدم مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير الحارث إدريس، رواية مغايرة لما أورده المبعوث الأمريكي، مؤكداً أن الحكومة السودانية تعاملت بإيجابية مع المقترحات المطروحة، وسلمت الوسطاء جداول تفصيلية تتعلق بترتيبات انسحاب قوات الدعم السريع وتجميعها وإعادة انتشارها.
وأوضح أمام أعضاء مجلس الأمن أن هذه الجداول تتضمن تصوراً عملياً لمراحل تنفيذ الانسحاب، وآليات تجميع القوات في مواقع محددة، بما يمهد لوقف الأعمال القتالية بصورة منظمة ويمنع تجدد الاشتباكات بعد أي اتفاق محتمل.
وأشار إلى أن الحكومة السودانية لم تكتف بإعلان موقف سياسي عام، وإنما قدمت وثائق فنية تتناول تفاصيل الترتيبات الأمنية المطلوبة، وهو ما اعتبره دليلاً على وجود رؤية متكاملة لدى الخرطوم لإنهاء الحرب، خلافاً لما أشار إليه المستشار الأمريكي.
ويستند هذا الطرح إلى الخطة التي سبق أن قدمها رئيس الوزراء السوداني الدكتور كامل إدريس أمام مجلس الأمن الدولي خلال إحاطته في فبراير/ شباط الماضي، والتي تضمنت رؤية الحكومة لإنهاء الحرب واستعادة الاستقرار.
وركزت الخطة على أولوية تنفيذ ترتيبات أمنية تسبق أي عملية سياسية، وفي مقدمتها الانسحاب الكامل لقوات «الدعم السريع» من جميع المدن والمناطق السكنية والمقار الحكومية والخدمية، مع تجميع قواتها في مواقع محددة خارج المدن تحت ترتيبات يتم الاتفاق عليها، بما يتيح عودة مؤسسات الدولة واستئناف الخدمات وتهيئة الظروف المناسبة لإطلاق عملية سياسية شاملة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك