في تقديري، فإن السؤال القانوني الصحيح ليس: " هل تعاد المباراة؟ "، لأن إعادة المباريات تبقى استثناءً نادرًا في القانون الرياضي الدولي، وإنما السؤال الأهم هو: هل استنفد الاتحاد المصري لكرة القدم جميع الوسائل التي تتيحها اللوائح الدولية للدفاع عن حقوقه إذا رأى أن هناك وقائع تستوجب المراجعة؟وهنا تظهر أهمية القانون الرياضي، وهو أحد أكثر فروع القانون تطورًا خلال العقود الأخيرة، إذ أصبح منظومة قانونية مستقلة تجمع بين قواعد القانون الدولي، والقانون الإداري، والتحكيم، والانضباط، والأخلاقيات، والحوكمة.
ولم يعد دوره يقتصر على الفصل في المنازعات، وإنما أصبح أحد أهم الضمانات لحماية نزاهة المنافسات الرياضية واستقرارها.
ومن المهم أن يدرك القارئ أن منظومة كرة القدم الدولية لا تُدار بواسطة جهة واحدة.
فالـ(FIFA) هي الجهة المنظمة لكرة القدم الدولية، وتضع اللوائح المنظمة للمسابقات وهيئاتها القضائية.
أما مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم (IFAB)، فهو الجهة الوحيدة المختصة بإصدار وتعديل وتفسير قوانين لعبة كرة القدم.
بينما تمثل محكمة التحكيم الرياضية (CAS) هيئة تحكيم دولية مستقلة، تختص بالفصل في الطعون والمنازعات التي تدخل في ولايتها وفقًا للوائح، وبعد استيفاء شروط قبول الطعن واستنفاد وسائل التظلم الداخلية، متى كانت واجبة.
وهذا التدرج ليس مسألة شكلية، وإنما يمثل أحد أهم المبادئ التي يقوم عليها القضاء الرياضي الدولي، وهو مبدأ استنفاد وسائل الطعن الداخلية، فلا يجوز تجاوز الهيئات المختصة داخل المنظومة الرياضية واللجوء مباشرة إلى (CAS)، إلا في الحدود التي تسمح بها اللوائح.
ومن المبادئ القانونية التي يثار حولها كثير من الخلط، ما نصت عليه المادة الخامسة من قوانين اللعبة الصادرة عن (IFAB) (Law 5)، والتي تقرر أن الحكم يملك السلطة الكاملة في تطبيق قوانين اللعبة، وأن قراراته المتعلقة بوقائع اللعب تكون نهائية من حيث الأصل.
إلا أن هذه النهائية لا تعني أن جميع الوقائع أصبحت بمنأى عن المراجعة القانونية، وإنما تعني أن القرارات الفنية للحكم لا يعاد تقييمها لمجرد الاختلاف معها.
ولهذا استقر قضاء محكمة التحكيم الرياضية على ما يعرف بمبدأ (Field of Play Doctrine)، ومؤداه أن الهيئات القضائية الرياضية لا تتدخل لإعادة تقييم القرارات الفنية للحكام، إلا إذا تعلق الأمر بخطأ في تطبيق قانون من قوانين اللعبة، أو مخالفة جسيمة للإجراءات، أو وقائع تدخل بطبيعتها في اختصاص الهيئات القضائية وفقًا للوائح المنظمة.
ومن هنا يجب التفرقة بين نوعين من الأخطاء.
الأول هو الخطأ التقديري، كاحتساب ركلة جزاء، أو إشهار بطاقة، أو تقدير وجود مخالفة، وهو أمر يدخل في السلطة الفنية للحكم، ولا يؤدي في الأصل إلى إعادة المباراة.
أما النوع الثاني، فهو الخطأ في تطبيق القانون، وهو يختلف تمامًا من الناحية القانونية، لأنه قد يفتح الباب أمام مراجعة الإجراءات إذا توافرت الشروط التي تقررها اللوائح.
ولهذا فإن أول سؤال يجب أن يطرحه أي محامٍ متخصص في القانون الرياضي ليس: " هل أخطأ الحكم؟ "، وإنما: " هل يمثل هذا الخطأ - إذا ثبت وجوده - خطأً في التقدير أم خطأً في تطبيق القانون؟ ".
فالإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد الطريق القانوني الذي يمكن سلوكه، وليس حجم الجدل الإعلامي أو ردود أفعال الجماهير.
وفي ضوء ذلك، إذا رأى الاتحاد المصري لكرة القدم أن لديه أساسًا قانونيًا جديًا، فإن الخطوة الأولى لا تكون عبر البيانات الإعلامية فقط، وإنما بإعداد ملف قانوني متكامل، يضم التسجيلات الرسمية، وتقارير مراقبي المباراة، وآراء الخبراء، وتحليل الوقائع وربطها بالنصوص القانونية واللائحية ذات الصلة.
فالمعيار الذي تطبقه الهيئات القضائية الرياضية ليس حجم التعاطف الجماهيري، وإنما عبء الإثبات، ومدى كفاية الأدلة لإثبات وجود مخالفة تدخل في نطاق اختصاصها، وهو ما يجعل إعداد الملف القانوني الخطوة الأهم في أي تحرك.
وفي هذا الإطار، فإن التحرك القانوني لا يبدأ بالمطالبة بإعادة المباراة، وإنما يبدأ بتحديد الطريق الذي رسمته اللوائح.
فهناك فارق قانوني بين الاحتجاج (Protest)، والشكوى (Complaint)، والاستئناف (Appeal)، ولكل منها شروطه وإجراءاته ومواعيده وآثاره القانونية.
فالاحتجاج يكون - إذا كانت لوائح البطولة تجيزه - وسيلة للاعتراض على واقعة معينة وفقًا للشروط والمواعيد المحددة.
أما الشكوى، فقد تتعلق بواقعة تستوجب التحقيق أمام الجهة المختصة إذا كانت تدخل في نطاق اختصاصها.
أما الاستئناف، فلا يكون إلا على قرار صادر من جهة قضائية مختصة إذا أجازت اللوائح الطعن عليه.
ومن ثم فإن الخلط بين هذه الإجراءات يؤدي في كثير من الأحيان إلى ضياع الحقوق الإجرائية قبل مناقشة موضوع النزاع نفسه.
ولهذا فإن أول ما يجب على الاتحاد المصري لكرة القدم القيام به هو تشكيل فريق قانوني متخصص يتولى مراجعة جميع المستندات والتسجيلات الرسمية، وتقارير مراقب المباراة، وتقارير الحكام، والتسجيلات الخاصة بتقنية حكم الفيديو المساعد (VAR)، إذا كانت اللوائح تسمح بالاستناد إليها، ثم تحديد ما إذا كانت الوقائع محل الجدل تمثل مجرد قرارات تحكيمية تقديرية، أم أنها قد ترقى إلى مخالفة قانونية أو إجرائية يمكن البناء عليها.
وفي جميع الأحوال، فإن عبء الإثبات يقع على عاتق من يدعي وجود مخالفة، فلا يكفي القول بأن قرارًا تحكيميًا كان خاطئًا أو مثيرًا للجدل، وإنما يجب إثبات أن المخالفة أثرت في سلامة تطبيق اللوائح أو قوانين اللعبة، وأنها تدخل ضمن اختصاص الجهة المطلوب منها نظر النزاع.
وهنا تظهر أهمية السوابق القضائية الرياضية، لأنها ترسم الحدود الفاصلة بين الحالات التي تستوجب التدخل، والحالات التي يظل فيها القرار التحكيمي بمنأى عن المراجعة.
ففي مباراة جنوب أفريقيا والسنغال ضمن تصفيات كأس العالم 2018، لم تأمر (FIFA) بإعادة المباراة لمجرد وجود خطأ تحكيمي، وإنما بعد أن انتهت التحقيقات إلى ثبوت وقائع خطيرة مست نزاهة إدارة اللقاء، وانتهت إلى إيقاف الحكم جوزيف لامبتي، وهو ما ترتب عليه إعادة المباراة بقرار استثنائي.
وفي مباراة أوزبكستان والبحرين عام 2005، كان سبب إعادة المباراة خطأً في تطبيق أحد قوانين اللعبة، وليس مجرد سوء تقدير من الحكم، وهو ما يؤكد أن القانون الرياضي يميز بوضوح بين الخطأ في التقدير والخطأ في تطبيق القانون.
وفي المقابل، لم تتم إعادة مباراة فرنسا وأيرلندا في التصفيات المؤهلة لكأس العالم 2010، رغم اعتراف تييري هنري بلمس الكرة بيده قبل تسجيل هدف التأهل، لأن الواقعة كانت تتعلق بقرار تحكيمي يدخل في نطاق السلطة التقديرية للحكم، ولم يكن هناك سند قانوني يجيز إلغاء نتيجة المباراة.
كما لم تتم إعادة مباراة تشيلسي وبرشلونة في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا عام 2009، رغم الجدل العالمي الذي صاحب العديد من القرارات التحكيمية، لأن الأخطاء التحكيمية، مهما بلغت جسامتها، لا تؤدي بذاتها إلى إلغاء المباريات، ما لم ترتبط بمخالفة قانونية أو إجرائية يعتد بها.
وتؤكد هذه السوابق أن إعادة المباريات ليست قاعدة، كما أنها ليست أمرًا مستحيلًا، وإنما تظل استثناءً يخضع لضوابط قانونية دقيقة، ولا يتحقق إلا إذا قامت أدلة قانونية كافية على وجود سبب يبرره.
ومن زاوية أخرى، فإن تاريخ كرة القدم الدولية يؤكد أن مبادئ الحوكمة والشفافية أصبحت جزءًا أساسيًا من إدارة اللعبة.
فقد شهد الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) منذ عام 2015 إصلاحات مؤسسية واسعة في أعقاب قضايا فساد معروفة دوليًا، وهو ما أدى إلى تعزيز منظومة الامتثال والرقابة والحوكمة داخل الاتحاد الدولي.
وهذه الوقائع لا تصلح دليلًا على وجود مخالفة في أي مباراة بعينها، لكنها تؤكد أن المطالبة بالمراجعة القانونية والتحقيق، متى وجدت أسباب جدية، أصبحت جزءًا من فلسفة الإدارة الرياضية الحديثة، وليست خروجًا عليها.
لكنني أرى أن الاتحاد المصري لكرة القدم مطالب - حفاظًا على مركزه القانوني - باستنفاد جميع الوسائل التي تتيحها اللوائح.
فالقيمة القانونية لأي تحرك لا تُقاس بنتيجته النهائية، وإنما بمدى جدية اتخاذ الإجراءات التي رسمها القانون.
وفي الختام، أكرر سعادتي بدعم السيد الرئيس لوجود مدرب وطني، وللاتحاد المصري لكرة القدم، والجهاز الفني، واللاعبين، وكل من بذل جهدًا لرفع اسم مصر في هذا المحفل الدولي.
ويبقى الدور أن يُستكمل هذا الأداء المشرف بتحرك قانوني جاد ومدروس، يستند إلى اللوائح والأدلة، ويستنفد جميع الوسائل التي يتيحها القانون الرياضي الدولي.
فحتى إذا انتهت الإجراءات إلى عدم إعادة المباراة، فإن إثبات الموقف القانوني المصري، والدفاع عن حقوق المنتخب عبر القنوات الرسمية، يظل واجبًا مؤسسيًا ورسالةً واضحةً بأن مصر تعرف حقوقها، وتتمسك بها، وتدافع عنها وفقًا للقانون.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك