عمان - في مدرسة إناث الرصيفة الإعدادية الثالثة، وُلدت فكرة بسيطة من مشكلة يومية مألوفة: الفوضى الناتجة عن استخدام منتجات وأعشاب متعددة أثناء الاستحمام، إلى جانب الاعتماد على منتجات كيميائية مستوردة لا تمتّ إلى البيئة المحلية بصلة.
ومن هذه الملاحظة، قررت مجموعة من الطالبات استبدال هذه الفوضى بحل عملي، وذلك من خلال تجربتهن في برنامج" تحدي الأعمال" الذي تنفذه مؤسسة إنجاز في مختلف مدارس المملكة، بشراكة استراتيجية مع The King’s Trust International ووزارة التربية والتعليم.
اضافة اعلانتقول قائدة الفريق، الطالبة بيسان العلا: " إن اللحظة الملهمة كانت التفكير في الاستفادة من فوائد البحر الميت العلاجية لتقديم تجربة منزلية سهلة".
وأضافت: " بدأت الفكرة حين انتقلنا من الجانب النظري إلى الجانب العملي ضمن برنامج تحدي الأعمال الذي تم تنفيذه في مدرستنا".
وهكذا وُلدت" الليفة الذكية"، وهي ليفة قماشية قابلة لإعادة التعبئة، محشوة بأكياس أعشاب دقيقة تضم مزيجًا علاجيًا من أملاح البحر الميت، وأعشاب أردنية مجففة، وزيوت عطرية مركزة.
ولم يكن اختيار البحر الميت عشوائيًا؛ فهو، بحسب الفريق، " مصحة علاجية عالمية فريدة" تمتلك أملاحًا تساعد على العناية بالبشرة وتجديدها.
كما منح دمج هذه الخصائص مع الأعشاب المحلية المنتج ميزة تجمع بين التقشير والاسترخاء في تجربة واحدة.
تشكّل الفريق من ليان وائل ماضي، وميس محمد، وبيسان سامي، وبيسان علاء، انطلاقًا من شغف مشترك بالابتكار، لكنه سرعان ما نظّم أدواره بذكاء؛ فتولى قسم البحث العلمي اختيار الأعشاب المناسبة، بينما اهتم فريق آخر بالتصنيع والعمليات، وتولى فريق ثالث التسويق والإدارة المالية.
ولم يكن هذا التقسيم رفاهية، بل ضرورة فرضتها التحديات؛ إذ تمثلت أبرز العقبات التقنية في الحفاظ على المكونات داخل الليفة دون تسربها، وهو ما جرى تجاوزه بعد تجريب أنواع متعددة من الأقمشة الطبيعية المستدامة حتى الوصول إلى النسيج المناسب.
أما على الصعيد التسويقي، فقد واجه الفريق ثقافة مستهلك اعتاد المنتجات الجاهزة، وتغلب على ذلك عبر تقديم عينات تجريبية ونشر التوعية بفوائد المنتج.
وحصد المشروع المركز الثالث في المسابقة الوطنية لريادة الأعمال على مستوى المدارس في أول مشاركة له خلال العام 2025-2026، وهو إنجاز تصفه بيسان العلا بأنه" اعتراف بقيمة ابتكارنا ودعم معنوي كبير يثبت أن المنتج قادر على التنافس"، ما شجع الفريق على مواصلة التطوير والتفكير في التوسع مستقبلًا.
ومنذ تلك المشاركة، شهد المشروع تطورًا ملحوظًا؛ فبعد التركيز في البداية على الفكرة والنموذج الأولي، انتقل الفريق إلى تحسين جودة النسيج والخلطات العشبية، وتعميق فهمه لمتطلبات السوق، ليصبح تركيزه اليوم منصبًا على التوسع التجاري والوصول إلى الفنادق والمنتجعات.
ولم يقتصر الأثر على أعضاء الفريق؛ إذ كانت ردود فعل المجتمع المحلي والعائلات، وفق وصفهم، " إيجابية ومشجعة جدًا".
وعبّر كثيرون عن فخرهم بمنتج أردني يستثمر الموارد المحلية بدلًا من الاعتماد على البدائل المستوردة.
ولم يكن هذا النجاح وليد الصدفة، بل ثمرة متابعة المتطوعة في مؤسسة إنجاز أفنان غوش، التي تعرفت إلى الفريق من خلال برنامج" تحدي الأعمال" الهادف إلى تنمية المهارات القيادية والحياتية لدى الشباب، وفي مقدمتها بناء فرق العمل.
وتطوعت أفنان لإيمانها بأن مثل هذه المشاريع تعزز لدى الطالبات قيمة الاعتماد على الذات عبر تأسيس مشاريعهن الخاصة، وتسهم في الحد من البطالة.
كما يرتبط هذا المجال بتخصصها الأكاديمي وشغفها بالتدريب والتوجيه، إذ تؤمن بأن توجيه الشباب نحو ريادة الأعمال في سن مبكرة هو استثمار حقيقي في المستقبل.
ورافقت أفنان الفريق منذ بداية البرنامج، فدرّبتهن على إستراتيجيات النجاح في مرحلة نصف النهائي، وساعدتهن في بلورة فكرة المشروع، وبناء نموذج العمل، وتطوير خطط التسويق والموازنات المالية، وصقل مهارات العرض والإقناع أمام لجنة التحكيم، مع الحرص على ترسيخ روح العمل الجماعي طوال فترة التحدي.
وتقول أفنان: " إن أعظم ما كسبته من التجربة في برنامج تحدي الأعمال كان رؤية التطور الكبير في تفكير الطالبات، وتحول فكرتهن البسيطة إلى مشروع قادر على المنافسة".
أما أكبر التحديات، فكان كسر حاجز الخوف والتردد لدى بعض الطالبات وتحويله إلى ثقة بالنفس.
وتصف لحظة إعلان فوز الفريق وصعوده إلى منصة التتويج بأنها" لحظة الفخر الأجمل"، بعدما رأت في عيونهن فرحة إثبات أن الجهد قد أثمر.
ومن أبرز الدروس التي خرجت بها أن الشباب يمتلكون مرونة عالية في مواجهة الصعاب، وأن دور المتطوع لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يمتد ليكون مصدر إلهام ودعم حقيقي.
وتؤكد أن هذه التجربة عمّقت قناعتها بأن التطوع ليس عملًا خيريًا عابرًا، بل ركيزة أساسية لبناء المجتمع، وأن قطاع ريادة الأعمال في الأردن يزخر بطاقات واعدة تحتاج فقط إلى بيئة حاضنة وفرص حقيقية.
وتوجه أفنان رسالة لكل من يتردد في التطوع قائلة: " لا تترددوا يومًا في نشر علمكم وخبراتكم؛ فالتطوع يمنحكم شعورًا بالإنجاز والأثر الطيب الذي لا يمكن للمال شراؤه".
وهي عازمة على مواصلة هذا الطريق، بعدما بدأت مسيرتها طالبة جامعية مع مؤسسة" إنجاز"، ثم أصبحت مدربة، وكان فوز هذا الفريق بالمركز الثالث تأكيدًا لها بأنها" في المكان الصحيح".
ويخطط الفريق لإدخال خلطات عشبية جديدة تستهدف علاج مشكلات محددة في البشرة، مع طموح واضح للتوسع نحو الفنادق الفاخرة والمنتجعات الصحية محليًا ودوليًا.
وتختتم بيسان العلا برسالة إلى فرق" الجيل الصاعد" القادمة، تدعوهم فيها إلى الإيمان بأفكارهم، والتركيز على حل مشكلات حقيقية بموارد مستدامة، وعدم الخوف من العقبات، مؤكدة أن العمل الجماعي المرن والاستماع إلى ملاحظات الزبائن هما أساس النجاح.
ويساهم برنامج" تحدي الأعمال" في مساعدة طلبة المدارس على بناء أفكارهم وتقديمها بطرق مبتكرة باستخدام التكنولوجيا في التعليم؛ إذ يتضمن تدريبات متخصصة في إدارة المشاريع بمساعدة متطوعين مؤهلين ومدربين، لتعريف الطلبة بالمفاهيم الأساسية في عالم ريادة الأعمال، وكيفية بناء الإستراتيجيات الفاعلة، والتشجيع على ممارسة هذه المفاهيم عمليًا من خلال تطبيق لعبة محاكاة تفاعلية على الحاسوب.
وتم دعم تنفيذ البرنامج هذا العام من قبل شركة نفط الهلال، ومدرسة المشرق الدولية، وواحة أيلة للتطوير، وشركة المواد الزراعية مقدادي الأردن، وشركة عشتار لحلول البرمجيات" إيستارتا"، ومؤسسة إدارة المشاريع التعليمية، بهدف زيادة عدد الطلبة المستفيدين من البرنامج.
ويخوض الطلبة من خلال البرنامج والمسابقة تجارب عملية ممتعة مع معلميهم ومتطوعيهم طوال فترة البرنامج، الذين نقلوا لهم خبراتهم، وأسهموا في تعريفهم بأهم المصطلحات والمفاهيم في عالم ريادة الأعمال التجارية وأخلاقيات العمل، وبناء روح العمل الجماعي لدى الطلبة، واستثمار نقاط القوة، واتخاذ القرارات المناسبة، إضافة إلى تعزيز القدرة على المقاومة وعدم الاستسلام عند مواجهة التحديات، ومواصلة السير قدمًا، فضلًا عن تعزيز التفكير الإبداعي، وبناء الأفكار، وتقديمها بطريقة جديدة باستخدام التكنولوجيا في التعليم.
وتكوّنت المسابقة النهائية من جزأين؛ الأول: العرض التقديمي أمام لجان التحكيم التي ضمّت مجموعة من رياديي الأعمال وأصحاب الخبرة في تأسيس المشاريع الريادية، حيث قدّم الطلبة شرحًا عن أفكارهم الريادية وأهميتها للمجتمع، بهدف تطبيقها على أرض الواقع.
أما الجزء الثاني، فتمثل في تطبيق لعبة محاكاة تفاعلية على الحاسوب تتضمن بناء شركة ريادية وممارسة العمل التجاري بطريقة تفاعلية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك