تدخل المفاوضات الأميركية - مرحلة هي الأكثر تعقيداً منذ إعلان الرئيس الأميركي انتهاء العمل بمذكرة التفاهم التي شكّلت الإطار الناظم للمسار التفاوضي خلال المرحلة الماضية.
فمع سقوط هذا الإطار، لم يعد الصراع يدور حول آلية تنفيذ التفاهم، بل حول إعادة رسم موازين القوى التي ستفرض شروط أي تفاوض مقبل.
وبين تشديد ضغوطها السياسية والاقتصادية، وتمسّك بأوراقها الميدانية، تتحرك عواصم إقليمية في محاولة لمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع قد تعيد رسم قواعد الاشتباك في الخليج والمنطقة بأسرها.
من الواضح أن السؤال المطروح لم يعد يدور حول موعد استئناف المفاوضات، بقدر ما بات يتعلق بالشروط التي سيجلس على أساسها الطرفان إلى الطاولة.
فالإدارة الأميركية، التي عادت إلى سياسة ورفعت منسوب ضغوطها السياسية، تحاول انتزاع تنازلات إضافية من طهران، فيما ترفض الأخيرة التعامل مع أي مسار تفاوضي يعيد إنتاج المرحلة السابقة أو يتجاوز الثوابت التي أعلنتها منذ بداية الأزمة.
لذلك، تبدو العودة إلى المفاوضات، إن حصلت، مختلفة تماماً عن كل الجولات السابقة، لأنها ستأتي بعد انهيار الإطار الذي كان ينظمها، وفي ظل معادلات ميدانية وسياسية جديدة يسعى كل طرف إلى تكريسها قبل أي لقاء.
وفي موازاة ذلك، لا تبدو التحركات الدبلوماسية العربية منفصلة عن هذا المشهد.
فبحسب مصادر سياسية مطلعة، كثّفت أكثر من عاصمة عربية، وفي مقدمها دول خليجية إلى جانب مصر وسلطنة عُمان، اتصالاتها خلال الساعات الماضية لمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة، إدراكاً منها أن أي اشتباك واسع لن يبقى محصوراً بين واشنطن وطهران، بل ستكون انعكاساته مباشرة على أمن الخليج وأسواق الطاقة والاقتصادات الإقليمية.
إلا أن هذه الجهود، على أهميتها، لم تنجح حتى الآن في إزالة أسباب التصعيد، بل نجحت فقط في تأجيل انفجاره.
وترى المصادر نفسها أن طهران باتت تنظر إلى العواصم الخليجية بوصفها جزءًا من معادلة الضغط السياسي على، انطلاقاً من قناعة مفادها أن ارتفاع كلفة التوتر على هذه الدول سيدفعها إلى ممارسة ضغوط أكبر على واشنطن لتفادي اتساع رقعة المواجهة.
ومن هذا المنطلق، لا تقرأ طهران الرسائل العسكرية باعتبارها موجهة إلى الولايات المتحدة وحدها، بل أيضاً إلى الأطراف الإقليمية القادرة على التأثير في القرار الأميركي، في محاولة لدفعها إلى لعب دور أكثر فاعلية في كبح مسار التصعيد.
وفي ما يتصل بمضيق" هرمز"، فهو لم يعد مجرد ممر بحري تتنافس الأطراف على تأمينه، بل تحول إلى إحدى أبرز أوراق الضغط المتبادلة.
فالتردد الذي أبدته شركات الشحن والطاقة، والخشية المتزايدة من اتساع دائرة الاستهداف، أعادا طرح أمن الملاحة بوصفه عنصراً ضاغطاً على الأسواق العالمية، وأظهرا أن الضمانات العسكرية وحدها لم تعد كافية لإعادة الثقة إلى حركة التجارة والطاقة.
وفي المقابل، تدرك واشنطن أن أي اضطراب طويل الأمد في هذا الممر ستكون له كلفة اقتصادية وسياسية تتجاوز حدود المنطقة، ما يفرض عليها البحث عن مقاربات مختلفة تحول دون تحول" هرمز" إلى ورقة استنزاف دائمة.
وفي ضوء هذه الوقائع، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالين متوازيين؛ إما نجاح الوسطاء في إعادة الطرفين إلى طاولة التفاوض ضمن إطار جديد يراعي التحولات الأخيرة، وإما استمرار سياسة الضغط المتبادل بانتظار أن يقتنع أحدهما بأن كلفة المواجهة باتت أعلى من كلفة التسوية.
وحتى ذلك الحين، لن يكون التصعيد غاية بحد ذاته، بل وسيلة لتحسين شروط التفاوض، فيما يبقى السؤال الحقيقي ليس متى تستأنف المفاوضات، بل أي طرف سيتمكن من فرض قواعدها وشروطها هذه المرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك