أكد الدكتور محمد الضويني، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن الإمام أبا منصور الماتريدي قدَّم مشروعًا فكريًا وحضاريًا متكاملًا أسهم في ترسيخ الأسس الفكرية للحضارة الإسلامية، من خلال بناء رؤية متوازنة تقوم على التكامل بين الوحي والعقل، وترسيخ الأخلاق، وتعزيز وحدة الأمة.
جاء ذلك خلال الكلمة التي ألقاها في افتتاح المؤتمر الدولي «الإمام الماتريدي: أساس الوسطية والتسامح والعلم والمعرفة»، الذي عُقد بمدينة سمرقند بحضور نخبة من العلماء والباحثين من مختلف دول العالم.
وفي مستهل كلمته، نقل الدكتور محمد الضويني تحيات فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، إلى دولة أوزبكستان رئيسا وحكومة وشعبا، وإلى القائمين على المؤتمر، معربًا عن تقدير الأزهر الشريف لما تشهده العلاقات المصرية الأوزبكية من تطور متنامٍ، لا سيما في مجالات التعاون العلمي والديني، ومؤكدًا حرص الأزهر الشريف على مواصلة تعزيز التعاون مع المؤسسات العلمية والدينية في أوزبكستان، بما يخدم رسالة الإسلام السمحة، وينشر قيم الوسطية والاعتدال والسلام.
وأشار إلى أن اختيار موضوع المؤتمر يجسد استحضارًا واعيًا لتراث الإمام الماتريدي، بوصفه أحد أبرز أعلام الفكر الإسلامي الذين أسهموا في بناء رؤية حضارية متوازنة، مؤكدًا أن استلهام هذا التراث اليوم يمثل استثمارًا لمرجعية علمية راسخة قادرة على الإسهام في مواجهة التحديات الفكرية المعاصرة.
وأضاف أن المشروع الماتريدي جعل الأخلاق ركيزةً أساسية في بناء الإنسان والمجتمع، وربط بين السلوك الأخلاقي والمسئولية الدينية، بما يرسخ قيم العدل والرحمة والتماسك المجتمعي، ويجعل بناء الحضارة ثمرةً لبناء الإنسان إيمانيًا وأخلاقيًا.
وأكد أن من أبرز سمات منهج الإمام الماتريدي الاعتدال والتوازن، والجمع بين المحافظة على الأصول والانفتاح على الاجتهاد المنضبط بنصوص الشرع، مع احترام التنوع والاختلاف في إطار وحدة الأصول والثوابت، كما رسخ منهجًا رصينًا في الحوار والمناظرة يقوم على الدليل والإنصاف وإقامة الحجة بعيدًا عن التعصب والانتصار للنفس.
وشدد على أن هذه المنهجية لا تزال تمثل حاجةً ملحة في واقعنا المعاصر، لما تقدمه من نموذج علمي في إدارة الاختلاف، وترسيخ الأمن الفكري، وتعزيز ثقافة الحوار والتعايش، بما يسهم في مواجهة الغلو والتطرف، مؤكدا أن الأزهر الشريف يولي تراث الإمام الماتريدي ومدرسته العلمية اهتمامًا كبيرًا، إدراكًا لمكانتهما في تاريخ الفكر الإسلامي وإسهامهما في ترسيخ عقيدة أهل السنة والجماعة؛ حيث ظل الأزهر عبر تاريخه يعتني بمصنفات الإمام الماتريدي تدريسًا وتحقيقًا وبحثًا، ويبرز قيمها العلمية في مناهجه وبرامجه البحثية، إيمانًا بأن هذا التراث يمثل ركيزةً أصيلة في بناء الشخصية الإسلامية الوسطية، وترسيخ ثقافة الحوار، ومواجهة الأفكار المنحرفة.
واختتم الضويني كلمته بالتأكيد على أن النهضة الحضارية المنشودة لا تقوم إلا على العلم النافع، والعقل الراشد، والأخلاق الرفيعة، ووحدة الأمة، وهي المبادئ التي أرساها الإمام أبو منصور الماتريدي، ولا تزال قادرة على الإسهام في بناء حاضر الأمة ومستقبلها، وهي ذاتها المبادئ التي يجسدها الأزهر الشريف في رسالته العالمية بقيادة فضيلة الإمام الأكبر، من خلال نشر الفكر الوسطي، وترسيخ قيم التعايش والسلام، وبناء الإنسان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك