حكم مدحت باشا العراق بين 1869 وحتى عام 1872.
رغم الفترة القصيرة لحكمه لكنه ترك بصمات على الدولة في العراق ظهرت بعده.
منها تقسيم العراق إلى ثلاث ولايات: البصرة، بغداد، الموصل.
أدخل التعليم الحديث، لكن أبرز منجزاته كان تمليك الأراضي.
لغرض توطين القبائل والعشائر جنوب العراق ونقلها من البداوة إلى الزراعة، قرر مدحت باشا تمليك الأراضي إلى العشائر والقبائل، لكن ليس إلى أفرادها بل إلى شيوخها، فتحول الشيوخ إلى ملاك لأراض واسعة، وتحول فرد العشيرة إلى فلاح.
سريعا تغيرت العلاقة بين الشيخ وفرد العشيرة إلى علاقة بين إقطاعي وأجير يضطر مع نهاية موسم الزراعة إلى الاستدانة من الشيخ، ليعيش في دوامة الفقر.
يوثق كتاب" ممالك الشيوخ، حيازة الأراضي والتنظيم الاجتماعي الريفي في جنوب العراق من العهد العثماني حتى عام 1960" كيف تمتَّع الإقطاعيون بنفوذ سياسي واجتماعي واسع نتيجة امتلاكهم مساحات شاسعة، استُخدم لعرقلة أي إصلاحات تحد من سيطرتهم.
كان الفلاحون يعيشون واقعا صعبا، يقدمون ثلثي المحصول لمالك الأرض، ويتحملون سلسلة طويلة من الالتزامات الإضافية والرسوم التي كانت تقلص نصيبهم الضئيل.
حلقة الفقر المدقع والديون المتراكمة تجاه ملاك الأراضي من شيوخ العشار حولت حياة الفلاحين إلى ما يقرب من العبودية المقنّعة، كان شيوخ القبائل والعشار أشبه بالملوك، يعيشون في رفاهية مطلقة ويجبرون أحيانا نساء الفلاحين على الخدمة في منازلهم تعويضا للديون المفروضة عليهم.
كان الفلاح الفقير يعيش في أسوأ حالات الفقر، بينما كان مشايخ القبائل والعشائر يعيشون حياة مترفة، حيث كانوا يملكون القصور على شواطئ دجلة والفرات في مدن العمارة والناصرية والكوت والديوانية.
هاجر سكان الأرياف في جنوب العراق هربا من ظلم الإقطاع ومن الفيضانات التي دمرت قراهم نهاية أربعينات القرن الماضي، بعضهم نزح إلى مدينة البصرة، غير أن أعلبهم اتجه شمالا نحو العاصمة بغداد.
جاؤوا من الريف، مساكنهم هناك كانت مبنية بالطين والقصب وهي المواد الأساسية للبناء في الريف.
شيدوا نفس المنازل (الصرائف) في ضواحي بغداد.
تعرف هذه المنطقة اليوم بمدينة الصدر، بعد أن شيد الزعيم عبد الكريم قاسم مدينة الثورة، لتضم مساكن المهاجرين الفقراء من الجنوب إلى بغداد.
في عام 1958 قاد الضابط عبد الكريم قاسم انقلابا على الحكم الملكي في العراق، ليكتب نهاية الملكية والنظام الإقطاعي، أصدر قانون الإصلاح الزراعي معلنا توزيع الأرض على الفلاحين ونهاية هيمنة شيوخ العشائر على ثروات الأرض.
اليوم ينظر أحفاد الفلاحين المساكين إلى تركة قاسم بشيء من الريبة!غيرت هذه الهجرة من ديموغرافية العراق، فاحفاد الفلاحين المساكين تحولوا إلى رقم صعب على المستوى الاجتماعي والسياسي، وقد بلغ عددهم الملايين، خصوصا في مدينة بغداد.
أما من بقي في ريف الجنوب (أرض السواد) فما زال يكافح من أجل البقاء، لكن هذه المرة بسبب الجفاف لا الفيضانات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك