مع بزوغ صباح 11 يوليو/ تموز 1882، اصطفت البوارج البريطانية قبالة سواحل الإسكندرية، في حين ترقبت مدافع الحصون المصرية الموقف من اليابسة.
ومع انقضاء المهلة التي منحها قائد الأسطول البريطاني الأدميرال فريدريك بوشامب سيمور، دون استجابة مصرية لتفكيك التحصينات، انطلقت أولى القذائف نحو السابعة صباحًا.
استمر القصف المكثف لأكثر من عشر ساعات، وتبادلت السفن البريطانية والحصون المصرية النيران إلى أن خفتت أصوات المدافع على اليابسة.
شكّل ذلك اليوم نقطة تحول كبرى تتجاوز طبيعة المواجهة العسكرية بين أسطول وحامية ساحلية، إذ مهد الطريق لغزو مصر، وأدى إلى هزيمة الحركة العرابية، معلنًا بداية احتلال بريطاني امتد نفوذه العسكري والسياسي لعقود طويلة.
وقد سبقت هذه اللحظات سنوات من الضغوط المرتبطة بالديون والرقابة الأجنبية، والصراع المحتدم على قناة السويس، بالتوازي مع تصاعد حركة وطنية سعت لاسترداد القرار المصري من قبضه الدائنين والقناصل والقوى الأوروبية.
ازدادت أهمية مصر في الحسابات البريطانية بعد افتتاح قناة السويس عام 1869.
فقد اختصرت القناة الطريق إلى الهند والمستعمرات البريطانية في آسيا، وتحول ضمان المرور فيها إلى مسألة استراتيجية تتجاوز التجارة المصرية نفسها.
وكانت الإسكندرية، لذلك، أكثر من مدينة ساحلية مصرية؛ كانت نقطة التقاء للمصالح المالية والدبلوماسية والعسكرية المتنافسة على مصر.
الديون حين تتحول إلى سلطةأنفق الخديوي إسماعيل مبالغ ضخمة على تحديث البلاد وتوسيع العمران وبناء المشروعات، معتمدًا على قروض أجنبية بشروط قاسية.
تراكمت الديون، وتراجعت قدرة الحكومة على سدادها، حتى باعت مصر عام 1875 أسهمها في شركة قناة السويس إلى الحكومة البريطانية.
لم ينه البيع الأزمة.
أُنشئ صندوق الدين عام 1876، واتسع بعده التدخل الأوروبي في إدارة المال المصري، قبل أن تترسخ الرقابة البريطانية الفرنسية على الإيرادات والموازنة والإنفاق الحكومي فيما عُرف بـ" الرقابة الثنائية".
ولم يعد الدائنون يكتفون بالمطالبة بأموالهم؛ أصبح ممثلوهم قادرين على التأثير في الضرائب والإنفاق وتوجيه موارد الدولة نحو خدمة الدين.
ثم تحولت الأزمة المالية تدريجيًا إلى أزمة سيادة، واتسعت مشاعر الغضب داخل الجيش والإدارة وبين قطاعات اجتماعية رأت أن القرار المصري أصبح خاضعًا للقوى الأجنبية.
أطاحت الضغوط الأوروبية بالخديوي إسماعيل عام 1879، وخلفه ابنه توفيق في ظل نفوذ أجنبي متزايد.
ارتبط حكم الخديوي الجديد، في نظر خصومه، بدعم بريطانيا وفرنسا وبالنظام المالي الذي فرضه الدائنون على البلاد.
شكّلت مقاومة هذا النفوذ أحد المحركات الأساسية للحركة العرابية.
عُرابي من الجيش إلى السياسةبدأت الحركة العرابية داخل الجيش، حيث احتج ضباط مصريون على التمييز لمصلحة الضباط المنحدرين من أصول تركية وشركسية على أوضاع الخدمة والترقيات.
كان أحمد عرابي من أبرز هؤلاء الضباط، لكنه سرعان ما تحول من ممثل لمطالب عسكرية إلى رمز لحركة سياسية أوسع.
رفعت الحركة مطالب تتعلق بالدستور والرقابة على الحكومة وتوسيع التمثيل ومقاومة التدخل الأجنبي.
وجدت هذه المطالب صدى لدى ضباط وموظفين وأعيان وقطاعات شعبية تضررت من الضرائب والنفوذ الأوروبي.
لذلك لا يمكن اختزال العرابيين في تمرد عسكري؛ فقد اجتمع في حركتهم احتجاج الضباط مع مطلب سياسي وطني وشعور متصاعد بفقدان السيادة.
وأجبر الضغط العسكري والسياسي الخديوي توفيق على تغيير الحكومات، ووصل عرابي إلى منصب وزير الحربية.
رأت بريطانيا وفرنسا في صعوده تهديدًا للخديوي والنظام المالي القائم والمصالح الأجنبية وقناة السويس.
أرسلت الدولتان في يناير/ كانون الثاني 1882 مذكرة مشتركة أكّدتا فيها دعمهما للخديوي.
نظر العرابيون إلى المذكرة بوصفها تدخلًا صريحًا لتقويض الحركة، قبل أن تصل السفن البريطانية والفرنسية إلى الإسكندرية في مايو/ أيار تحت عنوان حماية الأجانب والحفاظ على الاستقرار.
لم يساهم وصول الأساطيل إلى تهدئة الأوضاع.
ورفع مستوى التوتر ورسّخ المخاوف من تدخل عسكري وشيك.
اضطرابات يونيوفي 11 يونيو/ حزيران 1882، شهدت الإسكندرية اضطرابات واسعة بدأت بشجار فردي، ثم ما لبثت أن تطورت إلى اشتباكات دامية سقط فيها ضحايا من المصريين والأجانب على حد سواء.
وعلى الرغم من تضارب الروايات التاريخية حول المسؤول عن إشعال هذه الفتنة أو حصيلة ضحاياها، إلا أن هذه الأحداث خلقت حالة من الذعر لدى الأطراف الأجنبية، مما دفع الدول الأوروبية إلى المسارعة بإجلاء رعاياها.
وفي غضون ذلك، بدأت جموع غفيرة من السكان بمغادرة المدينة، بينما شرع الجيش المصري في تكثيف تحصيناته الساحلية.
واعتبرت القيادة المصرية هذه التحصينات إجراءً دفاعيًا ضروريًا لمواجهة الأساطيل الأجنبية المرابطة قبالة سواحلها.
وفي المقابل، اتخذ الأسطول البريطاني من هذه المدافع الموجهة نحو البحر مبررًا للادعاء بوجود خطر يهدد سفنه.
وقد أثار هذا المنطق جدلًا واسعًا حتى داخل البرلمان البريطاني، حيث انتقد معارضون حكومة بلادهم، متسائلين عن سبب بقاء السفن في مواقعها بدلاً من الابتعاد إذا كانت التحصينات تشكل خطرًا عليها، وهو الموقف الذي دفع فرنسا لرفض المشاركة في الهجوم.
ذريعة التحصينات ومأرب الاحتلاللم يكتفِ الأدميرال سيمور بالتهديد، ووجه إنذارًا نهائيًّا يطالب فيه بوقف الأعمال الدفاعية وتعطيل البطاريات الساحلية، مهددًا بقصف المدينة في حال عدم الامتثال.
ومع رفض الجانب المصري تفكيك دفاعات الإسكندرية وفق الشروط البريطانية، انقضت المهلة صباح 11 يوليو/ تموز، ليعطي سيمور أمر البدء بالقصف.
برّرت الحكومة البريطانية العملية بأنها ضرورة لحماية أسطولها، مؤكدة أن القصف جاء ردًا على المدافع التي تهدّد السفن ولا علاقة له بأحداث يونيو.
لكن هذه الرواية ظلت محل شك، إذ اتهم معارضون في البرلمان الحكومة بتسخير القوة العسكرية لحماية المصالح التجارية والدائنين، والتدخل السافر في الصراع السياسي الداخلي المصري.
وأثناء الهجوم، اندلعت حرائق واتسعت رقعتها لاحقًا نتيجة انسحاب القوات المصرية وانهيار النظام الأمني.
وعلى مدى أيام، تعرضت الأحياء التجارية والسكنية لأعمال نهب وتخريب، وسط تبادل للاتهامات؛ حيث حمل البريطانيون العرابيين مسؤولية الحرق، بينما اعتبرت الروايات المصرية أن القصف البريطاني هو الذي أطلق شرارة الفوضى.
ويمكن تصنيف الدمار الذي حل بالمدينة إلى ثلاث دوائر: أضرار مباشرة بفعل القصف، وحرائق اندلعت أثناء وبعد الهجوم، وأعمال نهب وتخريب تلت انهيار السلطة.
وفي حين توثق الصور حجم الخراب، فإنها تظل عاجزة عن تحديد المسؤولية الفردية لكل حريق أو مبنى مُدمر، لتظل الأسباب مزيجًا معقدًا بين النيران العسكرية والانفلات الأمني.
كان قصف الإسكندرية خطوة أولى؛ فعقب تراجع قوات عرابي إلى كفر الدوار وإنشائها خطوطًا دفاعية عرقلت التقدم البريطاني نحو القاهرة، أدركت لندن أن المواجهة المباشرة ستكون باهظة التكلفة.
لذلك، اتجهت القيادة البريطانية نحو استراتيجية بديلة، حيث نقلت ثقلها العسكري المكون من 35 ألف جندي بريطاني وهندي إلى منطقة قناة السويس، متخذة من الإسماعيلية قاعدة لإنزال قواتها في أغسطس/ آب 1882.
ومن مفارقات التاريخ أن القناة، التي استُخدمت سلامتها كذريعة رئيسية للتدخل الأجنبي، تحولت إلى الشريان الذي عبرت منه القوات البريطانية لغزو قلب البلاد.
وبعد اشتباكات في القصاصين، شنت بريطانيا هجومًا خاطفًا على" التل الكبير" في صباح 13 سبتمبر/ أيلول 1882، مما أدى إلى انهيار الدفاعات المصرية ودخول القوات البريطانية القاهرة، تلا ذلك استسلام عرابي ومحاكمته ثم نفيه إلى سيلان (سريلانكا حاليًا).
وعلى الرغم من عودة الخديوي توفيق إلى سدة الحكم، إلا أن السلطة الحقيقية انتقلت إلى يد الاحتلال.
وبينما ظلت مؤسسات الدولة والتبعية الشكلية للدولة العثمانية قائمة، قبض المستشارون البريطانيون على مفاصل الإدارة والمالية والجيش.
ورغم زعم بريطانيا أن وجودها" مؤقت" لاستعادة الاستقرار، فقد امتد هذا" المؤقت" ليتحول إلى" حماية مستترة"، تلاها إعلان مصر محمية بريطانية رسمية عام 1914، ولم ينتهِ الوجود العسكري في منطقة القناة إلا مع جلاء القوات عام 1956.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك