حين نطالع دفاتر العلاقات الأمريكية-الإيرانية، نكتشف إننا لسنا أمام مجرد أزمة دبلوماسية طارئة، أو خلاف حول بنود تقنية في إتفاق نووي تآكلت أطرافه؛ بل نحن أمام مشهد درامي محتشد بالرموز، مثقل بالتاريخ، ويتحرك على حافة هاوية سحيقة، إنني أزعم، أن فرص التوصل إلى تسوية نووية حقيقية بين طهران وواشنطن قد تضاءلت إلى حدّ المحاق، ولم يعد يلوح في الأفق سوى دخان المواجهة المؤجلة.
لكن الأخطر في هذا المشهد ليس اليورانيوم المخصب ولا أجهزة الطرد المركزي؛ الأخطر هو هذا التحول الهائل في لغة الخطاب السياسي الدولي، الذي إنتقل من ردهات الدبلوماسية الخلفية إلى لغة التصفية الجسدية العلنية والوعيد بالإنتقام والدماء،دعونا نتوقف أولاً أمام هذه الظاهرة التي تستدعي التأمل والدهشة معاً، في أسابيعنا هذه، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتصريحات علنية، صريحة ومباشرة، يتحدث فيها عن إستعداده لإصدار أوامر بإغتيال قادة أجانب، وتحديداً في إيران، إذا ما تجاوزت طهران خطوطاً حمراء معينة،وهنا، نحن لسنا أمام مناورة سياسية تقليدية، بل أمام سابقة لم يعهدها النظام الدولي منذ صياغة معاهدة وستفاليا، إن الحقيقة الإستراتيجية الصادمة هي أنه لا يوجد رئيس دولة أو زعيم في العالم المعاصر يملك الجرأة أو ربما الجنوح ليعلن على الملأ، وبدم بارد، خطة لإغتيال خصومه سياسياً، إلا دونالد ترامب.
في العرف الدولي، كانت عمليات العمل الخاص أو التصفيات تجري في عتمة الليل، وعبر أجهزة الإستخبارات، وبإنكار دبلوماسي كامل صوناً لهيبة الدولة وقوانين المجتمع الدولي، أما أن يتحول الإغتيال إلى مادة دعائية في خطابات علنية، فهذا ينقل العالم من دبلوماسية القوة إلى قوة العصابات، إن ترامب يتعامل مع القوة الأمريكية الغاشمة ليس بإعتبارها أداة لحفظ التوازن الدولي، بل كـ هراوة يشهرها في وجه الجميع، متجاوزاً كل الخطوط الحمراء التي تعارف عليها الساسة، من كيسنجر إلى بريجينسكي.
وفي المقابل، لم تكن طهران لتصمت، فجاءت تصريحات المرشد الإيراني مشحونة بالإشارات العقائدية والتاريخية، متوعدة بـ إنتقام حتمي لا مفر منه، معتبرة أن الثأر دمٌ معلق في رقبة الثورة الإسلامية، لا يسقطه تقادم السنين ولا تغير الرؤساء في البيت الأبيض، إننا إذن أمام طرفين أحدهما يرى في الإغتيال أداة سياسية مشروعة، والآخر يرى في الإنتقام واجباً مقدساً.
هنا نصل إلى العقبة الكأداء والسيناريو المرعب هل يمكن لجهة ثالثة، أو جماعة راديكالية، أو تنظيم مخابراتي غامض، أن يستغل هذا المناخ المسموم وهذه التصريحات المتبادلة لينفذ عملية إغتيال ضد ترامب؟إن الخطر الحقيقي في عالم الإستخبارات والصراعات الإقليمية ليس في المواجهة المباشرة بين الدول الكبرى؛ بل في الطرف الثالث الذي يتحرك في المساحات الرمادية، عندما يعلن ترامب أنه مهدد من إيران، وعندما تعلن إيران أنها ستنتقم، تصبح الساحة مهيأة تماماً لـ عملية تمويه كبرى،إسرائيل وأطراف إقليمية متطرفة تخشى أي تقارب أمريكي-إيراني محتمل في المستقبل، وترى أن تصفية ترامب وإلصاق التهمة بطهران فوراً، سيعني حتماً رد فعل أمريكي نووي أو عسكري ساحق يدمر الدولة الإيرانية ومقدراتها، وهو هدف طالما حلمت به قوى في المنطقة.
إن أي جماعة مسلحة أو جهاز إستخبارات يملك قدراً من الخبث، يستطيع اليوم تدبير محاولة إغتيال، وترك أدلة مزيفة تشير بأصابع الإتهام إلى الحرس الثوري الإيراني، وفي اللحظة التي تقع فيها واقعة كهذه، لن يكون هناك مجال للتحقيق أو الدبلوماسية؛ ستتحرك الآلة العسكرية الأمريكية مدفوعة بغضب عارم وعقيدة إنتقامية، لتضرب طهران، ليرد حلفاء طهران في العراق واليمن ولبنان بإستهداف مصادر الطاقة والقواعد الأمريكية،إشعال عود ثقاب في مخزن بارود لا يتطلب جيشاً جراراً؛ يكفي فقط وجود يد خفية تستغل صخب الخطابات لتمرير الرصاصة التي ستحرق الإقليم من النيل إلى الفرات.
الحروب الكبرى لم تشتعل دائماً بقرار عسكري مدروس، بل كثيراً ما إشتعلت برصاصة طائشة أطلقها طالب صربي في سراييفو عام 1914، فإغتالت الأرشيدوق النمساوي وجرت العالم إلى حرب عالمية أولى حصدت أرواح الملايين،واليوم، نجد أن التنافس الدولي والإقليمي محكوم بذات الهشاشة، فتضاؤل فرص الإتفاق النووي يعني ببساطة غياب شبكة الأمان التي كانت تمنع الإحتكاك المباشر، ومع غياب الدبلوماسية، يصبح لسان السلاح هو البديل.
تصريحات ترامب غير المسبوقة في تاريخ الرئاسة الأمريكية، جعلت منه هدفاً معلناً، ووفرت من حيث لا يدري الغطاء السياسي والذريعة المثالية لأي جهة تبتغي حرق المنطقة، إن الغرب بل والعالم أجمع يدرك، أن أمن العالم المعاصر أضعف من أن يتحمل مغامرات كلامية بهذا الحجم.
إننا نقترب من لحظة الحقيقة، وإذا ما إستغلت جماعة ما هذا الصخب لتنفيذ مأربها، فلن يخسر ترامب أو خامنئي وحدهما، بل ستدفع المنطقة بأسرها ثمن خطابات الغرور، وسط حريق لن يبقي ولن يذر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك