Published قبل دقيقة واحدةأسس رجل من نخبة المجتمع في نيويورك، بالولايات المتحدة، جماعة روحية أطلق عليها" القيم الأبدية"، في ثمانينيات القرن الماضي، وكان رجلاً غامضاً ادّعى أنه كائن فضائي اتخذ هيئة بشرية، وكانت تلك الجماعة الروحية تفتخر بانتماء نخبة من الشخصيات المرموقة إليها، واليوم، يروي أحد أبرز أتباع تلك الجماعة السابقين، عارض الأزياء العالمي السابق، هويت ريتشاردز، تفاصيل تجربته معها.
عاش ريتشاردز حياة مزدوجة، لم يعشها سوى قلة من الأشخاص، ففي ثمانينيات القرن الماضي، كان هذا الشاب الوسيم خريج جامعة برينستون يتصدر الحملات الدعائية لعلامات تجارية فاخرة، مثل" رالف لورين" و" دانهيل" و" دونا كاران"، ورغم انتقاله لاحقاً إلى التمثيل وصناعة الأفلام وإلقاء المحاضرات العامة، فإنه لا يزال يُشار إليه على نطاق واسع بوصفه" أول عارض أزياء للرجال يحقق نجومية في العالم".
كان ريتشاردز تجسيداً مثالياً للرجولة الرزينة، وكان يقضي أوقاته، حين لا يكون مسافراً إلى وجهات بعيدة، كعضو أمين في جماعة روحية غامضة تُعرف باسم جماعة" القيم الأبدية".
وعلى الرغم من أن الصحفية ماري برينر كشفت أسرار هذه الجماعة في تحقيق نشرته مجلة" فانيتي فير" عام 1990، إلا أن الجماعة اختفى ذكرها بعد ذلك إلى حد كبير، بيد أن أصولها المثيرة في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وأفول نجمها التدريجي خلال فترة التسعينيات، يحظيان اليوم باهتمام متزايد بعد عرض سلسلة وثائقية مثيرة لأول مرة على قناة" إتش بي أو" الشهر الماضي، بعنوان" أحضروا لي الجميلات: جماعة روحية في عالم الأزياء".
إنها قصة حقيقية يعجز الخيال عن نسج تفاصيلها، فجماعة" القيم الأبدية" الروحية أسسها شخص يدعى، فريدريك فون ميريرز، أحد نخبة مجتمع مانهاتن المعروفين بشبكة علاقاتهم الاجتماعية الكبيرة، والتي أحاطت بشخصيته هالة من الغموض.
ادعى فون ميريرز أنه" كائن فضائي اتخذ هيئة جسد إنسان"، وأنه مخلوق من خارج كوكب الأرض جاء من كوكب" أركتوروس" وتجسّد بشرياً كوسيلة لنشر رسالة تنويرية على هذه الأرض، وتمثلت رسالته التي دأب على نشرها في استقطاب قادة جدد من بين البشر لـ" أركتوروس"، قبل أن يُدمّر الكوكب عام 1999 بواسطة ما يعرف بـ" تحول القطبين".
كانت هذه الجماعة في الواقع تتبنى معتقدات تقوم على اقتراب نهاية العالم، وأحاطت نفسها بقدر كبير من البريق، وكان فون ميريرز بارعاً في إعادة تشكيل صورته، كما عُرف بولعه الدائم بارتقاء السلم الاجتماعي، لذا كان يحرص على إحاطة نفسه بشباب متألقين من عارضي الأزياء والمهنيين من الشباب الطموح، وعلى وجه الدقة، لم يكن يسعى إلى استقطاب الجميلات فحسب، بل كان يرغب في استقطاب كل من يعزز شهرته وأوضاعه المالية.
وُلد فون ميريرز في بروكلين في بيئة تنتمي إلى الطبقة العاملة، ومع أن هويته الحقيقية كانت مجهولة لدى معظم الناس في ذلك الوقت، إلا أنه أسس قاعدة أتباعه وثروة جماعته الروحية من خلال بيع" قراءات نفسية شخصية تتنبأ بالحياة" مسجلة على أشرطة كاسيت، إلى جانب اشتراكات خاصة لبيع الأحجار الكريمة حسب الطلب.
تخطى الأكثر قراءة وواصل القراءةتخطى البودكاست وواصل القراءةشرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتككانت الأسعار باهظة، بيد أن فون ميريرز كان يدّعي أن أحجاره النفيسة تتمتع بخصائص علاجية، وقالت جاكي آدامز، إحدى عارضات الأزياء البارزات في ثمانينيات القرن الماضي، وواحدة من الشخصيات التي استقطبتهن جماعة" القيم الأبدية"، في حديثها للصحفية برينر إنها قدمت لزعيم الجماعة ما يزيد على 100 ألف دولار مقابل أحجار كريمة وأعمال تجديد لشقتها كان يساعدها في تنفيذها.
وكان فون ميريرز قد استقطب ريتشاردز للمرة الأولى في عام 1978، أي قبل نحو عشر سنوات من انضمام آدامز إلى جماعة" القيم الأبدية" عام 1987، ولم يستطع ريتشاردز التحرر من الجماعة بصورة نهائية إلا في عام 1999، بعد تسع سنوات كاملة من وفاة مؤسسها فريدي، كما كان يطلق عليه ريتشاردز، متأثراً بمضاعفات مرتبطة بمرض الإيدز.
ويقول ريتشاردز لبي بي سي: " أعتقد أنه عندما توفي فريدي، ماتت معه الجماعة، بيد أننا واصلنا حياتنا تحت مظلته باعتبارنا هذه العائلة المختلة والمليئة بالسمّية".
عندما ترك ريتشاردز جماعة" القيم الأبدية" عام 1999، بمساعدة زميله السابق في عرض أزياء الرجال، فابيو لانزوني، كان عدد الأعضاء قد تراجع إلى مجرد قلّة من المخلصين المتشبثين بالجماعة رغم افتقادهم إلى زعيم أو رؤية واضحة، وعلى الرغم من ذلك يرفض العديد من أتباع فون ميريرز السابقين، حتى يومنا هذا، الاعتراف بأنهم كانوا في أي وقت جزءاً من الجماعة.
ويعترف ريتشاردز، البالغ من العمر 64 عاماً، بأنه تعرّض لعملية" غسيل مخ" على يد زعيم جماعة" القيم الأبدية"، الذي كان يتمتع بجاذبية شخصية، ويقول: " عشت رحلة امتدت 25 عاماً، كنت خلالها أرغب في أن أصبح أكثر انفتاحاً في الحديث عمّا حدث، لأنني أؤمن بأن هناك قيمة حقيقية في رواية هذه القصة".
يكمن جانب كبير من أهمية هذه القصة في أن ريتشاردز كان ضحية غير متوقعة على الإطلاق، إذ نشأ في طفولة مستقرة ومليئة بالمحبة في إحدى ضواحي بنسلفانيا، بيد أن علاقته بجماعة" القيم الأبدية"، التي يصفها بأنها" علاقة طائفية"، دفعته إلى مقاطعة عائلته لمدة 12 عاماً، إذ لم يكن محتجزاً جسدياً فحسب، بل يؤكد أنه ظل واقعاً تحت تأثير فون ميريرز، حتى أثناء انتقاله بين مانهاتن وميلانو من أجل جلسات تصوير عروض الأزياء.
ويستعين مخرج السلسلة الوثائقية، كريس سميث، الذي سبق وقدم وثائقي عن مهرجان" فاير" الموسيقي الذي انتهى بالفشل ووثائقي عن خبير مكافحة الشيخوخة المثير للجدل، برايان جونسون، بقصة ريتشاردز بوصفها قصة تحذيرية تسلط الضوء على كاريزما فون ميريرز وقدرته على المراوغة والخداع.
كان عارض الأزياء ريتشاردز، الذي سيصبح لاحقاً من أشهر عارضي الأزياء، يبلغ 16 عاماً فقط عندما اقترب منه فون ميريرز على شاطئ في نانتوكيت، وهو منتجع ساحلي فاخر في ماساتشوستس كانت عائلته تقضي فيه فصل الصيف، ونظراً لأن فون ميريرز كان يرغب في تقديم صورة راقية توحي بالانتماء إلى طبقة أصحاب الثروات، كان ذلك المكان تحديداً من بين المواقع التي كان يفضّل هو أيضاً التردد عليها.
وعلى الرغم من أن ريتشاردز لم يكن يدرك ذلك آنذاك، فإن فون ميريرز كان منذ البداية يعمل على تشكيل شخصيته والتأثير فيه تدريجياً، ويتذكر ريتشاردز تلك الفترة قائلاً: " قبل أن يدخل فريدي في إحدى أحاديثه الروحية، كان يقول: (أنت شديد الذكاء، لذلك ستستوعب هذا الأمر)، وحتى عندما لم أكن أفهم حقاً ما كان يحاول شرحه لي، لم يكن بوسعي أن أشك فيه، لأنه كان قد منحني شعوراً بالتقدير".
كان فون ميريرز، الذي ادعى أنه يتيم من أصول أرستقراطية أوروبية، قد بدأ إقصاء ريتشاردز عن دائرة أصدقائه، ويقول ريتشاردز: " كان أصدقائي يرونه مجرد شخص غريب الأطوار آخر في نانتوكيت.
لكنه كان ينظر إليهم ثم يقول لي: (أنت لست مثل أصدقائك، أنت مختلف عنهم).
وعندما يكون المرء في السادسة عشرة من عمره، فإن هذا يبدو سؤالاً مشروعاً للتأمل، مثل: (هل أنا شخص مميز بطريقة ما؟ ) وهكذا انجرفت في ذلك الطريق".
وعندما التحق ريتشاردز بجامعة برينستون في ولاية نيوجيرسي لدراسة الاقتصاد، بعد ثلاث سنوات، أصبحت شقة فون ميريرز في مانهاتن مكاناً ملائماً لإقامة الحفلات، ويقول ريتشاردز: " كان (فون ميريرز) متحمساً جداً عندما علم أنني سأنضم لإحدى أعرق جامعات النخبة الأمريكية، لكنه لم يتحدث أبداً عن سنوات دراسته الجامعية الخاصة".
كان فون ميريرز في تلك المرحلة، في منتصف الثلاثينيات من عمره، لكنه أخفى عمره الحقيقي وتفاصيل حياته الشخصية، لأنها لم تكن تتوافق مع الشخصية الأنيقة التي أراد أن يظهر بها، واكتشف ريتشاردز لاحقاً أن الرجل الذي وُلد باسم فريد مايرز في بروكلين استغل مسيرته القصيرة في عرض الأزياء ليعيد تشكيل نفسه ويصبح شخصية ساحرة في مجتمع مانهاتن، ولم يتحدث أبداً عن شهادته الجامعية لأنه لم يكن حاصلاً عليها، بيد أن ريتشاردز يؤكد أنه خلال الاثني عشر عاماً التي عرف فيها الرجلين بعضهما: " لم يخرج فريدي ولو مرة واحدة عن الدور الذي كان يؤديه".
ويقول ريتشاردز: " تعلمت منذ ذلك الوقت أن الأشخاص ذوي الشخصيات النرجسية، وهي الصفة التي أصف بها فريدي، يميلون إلى بناء هويتهم وفقاً للأشخاص الذين يحيطون أنفسهم بهم، كان يبالغ دائماً في تقدير إنجازاتي عندما يقدمني إلى أحد الأشخاص، وأتصور أن السبب في ذلك أنه كان يرغب في أن يجعل صورتنا معاً أكثر بريقاً".
وبعد تخرج ريتشاردز في جامعة برينستون، قدّمه فون ميريرز إلى جوي هانتر، أحد أبرز الأسماء في وكالة فورد لعرض الأزياء ذائعة الصيت عالمياً، والتي أصبحت تُعرف لاحقاً باسم" فورد مودلز"، وانطلقت مسيرة ريتشاردز المهنية بصورة مذهلة عندما قدمه، بروس ويبر، مصور الأزياء الشهير، الذي وُجهت إليه لاحقاً اتهامات بالاعتداء الجنسي وسوء السلوك من جانب عدد من عارضي الأزياء الرجال، ودأب ويبر على نفي هذه الاتهامات، كما أن جميع القضايا المرفوعة ضده انتهت إما بالرفض أو بالتسوية خارج المحكمة دون أي إقرار منه بتحمل المسؤولية.
ويعترف ريتشاردز بأنه" كان يشعر بالذنب لأنه اختار مساراً مهنياً لم يكن يراه منسجماً مع الجانب الروحي"، وبحلول منتصف ثمانينيات القرن الماضي، ومع تنامي انتشار حركة" العصر الجديد"، لم تعد معتقدات فون ميريرز الروحية المتنوعة، التي مزجت بين علم التنجيم وأفكار مستمدة من التصوف الشرقي، تبدو بالهامشية التي كانت عليها سابقاً، بل كان فون ميريرز في موقع مثالي لاستغلال مشاعر ريتشاردز الداخلية بعدم الثقة.
ويقول ريتشاردز، الذي منح جماعة" القيم الأبدية" ما بين 4 و5 ملايين دولار، بحسب قوله: " كنت أعتقد أن فريدي كان معلماً عظيماً، كنت أشعر بالفخر لأنني أجلب أموالاً لجماعة القيم الأبدية"، ويضيف أن فون ميريرز كان دائماً" روح المكان"، لكنه يرى أنه اكتسب نوعاً جديدة من التأثير على الآخرين، بعد شهرته، عندما ورد ذكره في كتاب بعنوان" كائنات فضائية بيننا"، الأكثر مبيعاً عام 1985، للكاتبة روث مونتغمري.
دعمت مونتغمري في كتابها الرواية الغريبة التي قدمها فون ميريرز عن ماضيه، إذ كتبت أنه كان بالفعل كائناً فضائياً يتمتع بمستو عال من الاستنارة اتخذ هيئة بشرية، ويقول ريتشاردز: " أعتقد أننا أصبحنا جماعة روحية بالفعل عندما صدر هذا الكتاب، بعد ذلك أنشأنا نشاطاً تجارياً حول الجماعة الروحية من خلال بيع أشرطة مسجلة تحتوي على قراءات فريدي النفسية للحياة.
وفي تلك المرحلة، بدأنا نتلقى رسائل من أشخاص من 45 دولة".
وعلى الرغم من ظهور فون ميريرز لاحقاً في عدد من برامج تلفزيونية، استعان المخرج سميث بلقطات منها ودمجها بمهارة داخل الفيلم الوثائقي، يقول ريتشاردز إن" عدد الأعضاء الحقيقيين في الجماعة الروحية لم يتجاوز 100 شخص"، وربما بسبب قدرته الكبيرة على تحقيق دخل مالي للجماعة، كان ريتشاردز عضواً قديماً في" الدائرة الداخلية"، وكان ينام إلى جوار الآخرين على أرضية شقة فون ميريرز، ويلتزم بنمط حياة يقوم على العزوبية الصارمة، على الأقل في البداية.
ويقول ريتشاردز: " كنا جميعاً في عقدنا الثاني من العمر، وكانت الرغبات الجسدية قوية لدينا، لذا أعتقد أن فريدي أدرك أنه من المستحيل منعنا من الشعور بهذه الدوافع"، وفي هذه المرحلة غيّر فون ميريرز نهجه بصورة جذرية، وأصدر تعليماته لأعضاء الجماعة الروحية بأن يبدأوا إقامة علاقات جنسية فيما بينهم.
ويقول ريتشاردز: " كان ذلك غير صحي على الإطلاق، وخصوصاً بالنسبة للنساء في هذه البيئة التي كان يسيطر عليها الرجال بشكل كبير"، ويضيف أن كل من كان يرفض كان فون ميريرز" يلومه بشدة" باعتباره" مكبوتاً جنسياً" وعاجزاً عن" الفصل بين روحه وجسده".
واكتُشف لاحقاً أن فون ميريرز، خلال السنوات التي كان يُفترض فيها أنه ملتزم بالعزوبية، كان يدفع بانتظام لرجال يعملون في ممارسة الجنس مقابل أموال، ويقول ريتشاردز: " تعرضت لتأثير شديد لدرجة أنني صدّقت روايته التي تقول إنه كان يحضرهم إلى الشقة لمساعدتهم على المستوى الروحي".
ويعتقد ريتشاردز أن فون ميريرز حافظ على تأثيره بين أتباعه من خلال" قدرته على الانتقال في لحظة من شخصية لطيفة وداعمة إلى شخصية صارمة تفرض الانضباط"، ويقول خبير الجماعات الروحية، ستيفن حسن، مؤلف كتاب" مكافحة السيطرة العقلية للجماعات الروحية"، إن فون ميريرز كان ببساطة" يمارس التعزيز المتقطع للسلوك، وهو طريقة شديدة الصرامة في تكييف سلوك الشخص"، إذ كان، في جوهر الأمر، يُبقي ريتشاردز وغيره من الأتباع متعلقين به عبر الجمع بين الانتقاد الشديد وجرعات كافية من التشجيع الإيجابي تجعلهم يتطلعون إلى المزيد.
ويضيف حسن أن التحوّل المفاجئ في موقف فون ميريرز، من فرض الامتناع عن ممارسة الجنس إلى الدعوة إلى إقامة علاقات غير منضبطة، يمثل أسلوباً شائعاً، ويقول: " في الجماعة الروحية، يتعلق الأمر كله بالاعتماد على الزعيم والخضوع له، وليس بالالتزام بأي مبدأ محدد، وإذا استطعت التلاعب بدوافع شخص ما جنسياً، فإنك تمتلك تأثيراً كبيراً عليه".
ولم يتضح بعد حجم التركيز الذي سيمنحه الفيلم على جماعة" القيم الأبدية" الروحية، بيد أن ريتشاردز يأمل في أن يساعد وثائقي قصته الناس على مراجعة الطريقة التي يتعاملون بها مع أي شخص" يغمرهم" بالاهتمام أو الإطراء.
ويقول: " عندما تمنح شخصاً آخر سلطتك، سواء بوعي أو بدون وعي، فإنني أصف ذلك بأنه (علاقة طائفية)، وليست كل علاقة لجماعة روحية سيئة كما كانت علاقتي، لكنها قد تكون غير صحية، وأعتقد أنه من المهم الاعتراف بأنها تبدو جزءاً من طبيعتنا البشرية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك