في كرة القدم الحديثة، لا توجد معجزة تستمر سبع مباريات.
قد تفوز بمباراة بسبب نجم، أو تبلغ نصف نهائي بفضل لحظة استثنائية، لكن كأس العالم بطولة لا تمنح لقبها إلا للمنتخبات التي نضجت عبر الزمن.
إنه الامتحان الأكثر قسوة في اللعبة، حيث لا يكفي امتلاك أفضل مهاجم في العالم، بل يجب أن تمتلك منظومة تعرف كيف تفوز عندما تتعقد المباريات.
التاريخ الحديث يقدم الدليل بصورة متكررة.
فرنسا لم تصبح بطلة للعالم في روسيا 2018 ثم وصيفة في قطر 2022 بالصدفة.
ما حدث كان نتيجة مشروع طويل بدأ بعد إخفاقات العقد الأول من الألفية، اعتمد على إعادة بناء قاعدة المواهب، واستقرار الجهاز الفني، ومنح جيل كامل الوقت الكافي للتطور معاً.
خلال أربع سنوات، لم يكن المنتخب الفرنسي يطور أسماءه فقط، بل كان يطور شخصيته الجماعية، حتى أصبحت المنافسة على كل بطولة أمراً طبيعياً.
إسبانيا أيضاً تقدم النموذج ذاته.
بعد سنوات من التراجع عقب الجيل الذهبي، لم تبحث عن حلول سريعة، بل أعادت بناء الهوية الفنية من الفئات السنية حتى المنتخب الأول.
وعندما توجت ببطولة أوروبا 2024، لم يكن ذلك انفجاراً مفاجئاً، بل تتويجاً لمسار تصاعدي شهد انسجاماً تكتيكياً، وتجديداً مدروساً للعناصر، وإيماناً بأسلوب لعب واضح لا يتغير مع كل نتيجة.
أما الأرجنتين، فهي المثال الأكثر اكتمالاً لفكرة النضج.
خسرت نهائيات مؤلمة، وتعرضت لانتقادات قاسية، لكنها لم تهدم المشروع.
استمرت في تطوير المجموعة، حتى تحولت الهزائم إلى خبرة، والخبرة إلى شخصية، والشخصية إلى ألقاب.
فجاء لقب كوبا أمريكا، ثم كأس العالم 2022، ثم تأكيد الهيمنة القارية بلقب كوبا أمريكا 2024.
لم يكن النجاح وليد الموهبة فقط، بل ثمرة الاستمرارية والثقة بالمشروع.
حتى إنجلترا، رغم أنها لم تتوج ببطولة أوروبا، فإن وصولها إلى نهائي النسختين الأخيرتين يعكس حقيقة مهمة؛ المنتخبات الكبرى تقاس بقدرتها على التواجد الدائم في الأدوار النهائية.
الاستقرار في دائرة المنافسة أهم من الانتصار العابر، لأن التكرار هو الذي يصنع عقلية البطل.
هذه الحقيقة تقودنا إلى النرويج، المنتخب الذي يملك أحد أكثر الأجيال إثارة في أوروبا، وعلى رأسه “المدمرة” إرلينغ هالاند.
لكن امتلاك هداف استثنائي لا يعني أن المنتخب أصبح مرشحاً تلقائياً لكأس العالم.
البطولات الكبرى لا تُحسم بالأسماء، وإنما بالعلاقات بين الأسماء.
التناغم، والانضباط التكتيكي، وإدارة اللحظات الصعبة، والخبرة المتراكمة في البطولات، كلها عناصر لا يمكن شراؤها أو اختصارها.
النرويج اليوم تقف عند بداية الطريق، لا نهايته.
المطلوب ليس التفكير في رفع كأس العالم مباشرة، بل بناء منتخب يتأهل باستمرار، ينافس في بطولة أوروبا، ويعتاد اللعب تحت الضغط، ويخسر ليتعلم، ثم يعود أقوى.
هكذا تنمو المنتخبات الكبيرة، وهكذا تتحول المواهب الفردية إلى قوة جماعية.
الفارق الحقيقي بين المنتخب الكبير والمنتخب الموهوب أن الأول يملك ذاكرة انتصارات، بينما الثاني يملك أحلاماً فقط.
لذلك فإن السؤال ليس: هل تملك النرويج هالاند؟ بل: هل تملك مشروعاً يجعل هالاند جزءاً من منظومة قادرة على الفوز سبع مرات متتالية أمام أفضل منتخبات العالم؟كأس العالم لا يكافئ أكثر المنتخبات موهبة، بل أكثرها نضجاً.
ومن يفهم هذه القاعدة، يدرك أن الطريق إلى المجد لا يبدأ في صيف المونديال، بل قبل ذلك بسنوات طويلة من البناء، والصبر، والاستمرارية.
فالكبار لا يولدون في ليلة واحدة.
بل تصنعهم السنوات.
وسلملي على المانيا والبرازيل.
! !

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك