الأسرة هي الملاذ الأول والأخير، والمظلة التي تستظل بها القلوب، وعندما تهتز أركان هذا الكيان بفعل الخلافات، لا يصبح الأمر مجرد نزاع قانوني بين طرفين، بل يتحول إلى قضية تمس عصب المجتمع ومستقبله المتمثل في أطفاله.
من هذه الرؤية الإنسانية وفي محاولة لصياغة تشريع لا يعرف الانتصار لطرف على حساب الآخر بل ينتصر للمستقبل وهو الطفل، أطلق المجلس القومي لحقوق الإنسان ماراثوناً فكرياً وحوارياً موسعاً حول مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد، عبر سلسلة ممتدة تضم 13 جلسة استماع؛ إيماناً بأن القوانين التي تُكتب بمداد من التوافق المجتمعي هي وحدها التي تعيش وتؤتي ثمارها على أرض الواقع.
في مقر المجلس بالتجمع الخامس، تلاقت العقول والخبرات لفك تشابكات هذا الملف الشائك، وأكد الدكتور أحمد إيهاب جمال الدين، رئيس المجلس، أن هذه الجلسات تُمثل ممارسة عملية للحوار الرشيد، موضحاً أن القانون لا يقتصر على تنظيم العلاقات الأسرية فحسب، بل يرتبط مباشرة باستقرار مصر الاجتماعي والاقتصادي.
وشدد على أن" الطفل" يجب أن يظل محور الاهتمام والمعيار الحقيقي لنجاح القانون، فلا ينبغي أن يتحول الخلاف بين الوالدين إلى عبء يتحمله الأبناء.
ومن جانبه، أشار محمد أنور السادات، نائب رئيس المجلس، إلى أن التحدي الأكبر ليس إصدار التشريعات، بل في ضمان فاعلية تطبيقها وتجنب العقبات التنفيذية التي واجهت بعض القوانين الحديثة.
وهو ما ثنّى عليه المستشار إيهاب الطماوي، عضو المجلس وأمين اللجنة التشريعية، كاشفاً عن حجم المشاركة الضخم الذي شهدته الجلسات، حيث عقد المجلس 5 جلسات متتالية، كان عدد المشاركين فيها 145 شخصية، من أساتذة القانون بالجامعات المصرية، والقضاة، والمحامون المتخصصون في قضايا الأسرة، بالإضافة إلى منظمات المجتمع المدني والشخصيات العامة والخبراء المهتمين بهذا الملف من مختلف التوجهات المهتمة بهذا الشأن، وكان عدد المتحدثين خلال تلك الجلسات 85 متحدثاً.
معضلة النفقة و" سوء" واقع الرؤية والاستضافةوكانت قد شهدت الجلسات عصفاً ذهنياً لمناقشة التفاصيل اللصيقة بالحياة اليومية للأسر المنفصلة، حيث دق طلعت عبد القوي، رئيس الاتحاد العام للجمعيات الأهلية، ناقوس الخطر بشأن تزايد معدلات الطلاق، مطالباً ببحوث تقف على الأسباب الحقيقية للظاهرة.
ووصف عبد القوي الوضع الحالي للرؤية في مراكز الشباب بأنه" سيئ جداً" ولا يوفر بيئة نفسية صحية للطفل، داعياً إلى آلية عادلة ومبسطة لتنفيذ أحكام النفقة دون نزاعات مستمرة.
وفي سياق متصل، طالبت المحامية دينا عدلي حسين بمراجعة ثغرات النفقة والاستضافة، مقترحة إلزام الأب بسداد المصروفات الدراسية مباشرة للمدرسة لضمان عدم تعطل تعليم الطفل، مع تشديد العقوبات على من يمتنع عن إعادة الأطفال بعد فترة الاستضافة (والتي اقترحت زيادتها عن 48 ساعة في المصايف)، ومنح المحاكم سلطة منع سفر الطفل عند وجود مبررات، بالإضافة إلى إدراج مبادئ أسرية مبسطة في المناهج التعليمية.
شرطة متخصصة و" وسيط الأسرة" قبل المحاكمو نقل المحامي ربيع جمعة الملواني، عضو مجلس نقابة المحامين، نبض الواقع العملي، مؤكداً أن اصطدام النصوص بالواقع يخلق أزمات كبرى.
واقترح الملواني استحداث" شرطة أو وحدة متخصصة" للإشراف على تنفيذ أحكام الرؤية لحماية الأطراف، وطرح فكرة" الرؤية الإلكترونية" عبر الإنترنت برعاية وزارة العدل كأداة تواصل يومية.
كما انتقد أداء مكاتب التسوية الحالية، داعياً لتحويلها بقانون إلى" مكاتب وسيط أسرة" للتدخل المبكر وحل النزاعات ودياً قبل اللجوء للمقاضاة.
الولاية على المال.
صرخة نيابية لحماية الأمهاتولم تغب التشريعات الحامية للمرأة عن الطاولة؛ إذ فجرت النائبة إيمان الألفي قضية الولاية على المال بعد وفاة الأب، مطالبة بنقلها مباشرة إلى الأم التي شاركت في بناء الأسرة، تيسيراً للإجراءات ومنعاً للاصطدام مع الجد من جهة الأب والذي يؤثر سلباً على الصغار.
ودعت الألفي لمنح الأم صلاحيات استخراج موافقات السفر والأنشطة الرياضية للأبناء، مع مراجعة المادة (199) لضمان مساواة المسؤولية والمحاسبة القانونية على الأخطاء الجسيمة بين الأب والأم دون تمييز، فضلاً عن توفير تدريب نفسي للعاملين بمحاكم الأسرة والاستعانة بكبار العائلات في القرى لحل الخلافات.
شاشة آمنة ومواجهة" الطلاق الصامت"ومن المنظور المجتمعي والإعلامي، أكد كامل كامل، رئيس القسم السياسي بموقع" اليوم السابع"، على ضرورة اتساق فلسفة التشريع مع مواده، والابتعاد عن الانحياز الأعمى لأي طرف الزوج أو الزوجة لضمان صدور قانون قابل للتطبيق يمنع استخدام النفقة أو الرؤية كأدوات للانتقام المتبادل.
فيما حذر محمد يوسف، الإعلامي البرلماني، من وجود ازدواجية تشريعية في مواد شروط عقد الزواج التي يتيحها القانون الحالي بالفعل، مشدداً على أهمية وضع إطار ثابت ومحايد للنقاش.
وفي أطروحة، دعتها دينا موسى، ممثلة حزب الإصلاح والنهضة، إلى مواجهة جائحة" الزواج الصامت" الانفصال العاطفي داخل بيت واحد، والتخلص من وصمة العار التي تلاحق المطلقات.
وطالبت موسى بـ" شاشة آمنة" في الإعلام والدراما تصدر نماذج إيجابية للأسرة بدلاً من النماذج المشوهة، مقدمة مقترحاً بتطبيق" جلسات إرشادية إلزامية" للمتزوجين حديثاً وفترة حماية لعقد الزواج في أول 6 أشهر لمنع الطلاق السريع.
سد الثغرات وتعديل" المرافعات"ومن جانبه، أكد المستشار محمد الحسينى، رئيس محكمة الاستئناف والممثل عن النيابة العامة، أن إصلاح منظومة القضاء الأسري لا يتوقف عند قانون الأحوال الشخصية وحده، بل يتطلب تعديلاً جوهرياً لشامل القوانين المرتبطة وعلى رأسها" قانون المرافعات المدنية والتجارية"، وذلك لسد الثغرات الإجرائية التي يستغلها البعض للتلاعب والمماطلة في تنفيذ الأحكام المدنية للأسر، مفككاً الخلط المجتمعي بين الأحكام الجنائية الردعية والأحكام الأسرية ذات الطبيعة المدنية.
ومن المقرر استكمال المناقشات الأحد بعد القادم لجلسة السادسة والسابعة، وسيتم في بداية الجلسات استكمال المناقشة حول الموضوعات الهامة الخاصة بـ (الرؤية، والنفقة، والولاية الصحية والتعليمية، مع تقديم مداخلات ثرية تعكس تنوع الرؤى.
وتظل لقاءات المجلس القومي لحقوق الإنسان خطوة شجاعة على طريق صياغة عقد اجتماعي جديد، يُعيد الدفء إلى البيوت المصرية، ويكتب فصلاً جديداً من العدالة يعيش فيه أطفال مصر بلا خوف أو انكسار.
جانب من الجلسات التي اطلقها المجلس القومي لحقوق الإنسانجانب خلال الجلسات المجلس القومى لحقوق الإنسانالزميل كامل كامل رئيس القسم السياسى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك