عقب إعلان وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، استعاد عدد من الشخصيات التي رافقته أو عاصرته ملامح رؤيته السياسية والفكرية، مستعرضين فلسفته في الحكم ودوره في نهضة قطر الحديثة، ورؤيته لمكانة البلاد في محيطها العربي، ولا سيما موقفه من القضية الفلسطينية.
وقال أحمد الشيخ، مدير الأخبار سابقا بقناة الجزيرة، إن رؤية الأمير الوالد تشكلت منذ نشأته في بيئة تؤمن بوحدة الوطن العربي، مستشهداً برواية نقلها عنه، مفادها أنه شارك خلال سنوات الدراسة في مظاهرات خرجت في قطر تأييداً للرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، وهو ما اعتبره دليلاً على تأثره المبكر بفكرة القومية العربية.
وأضاف أن الشيخ حمد بن خليفة كان ينظر إلى قطر بوصفها جزءاً من الأمة العربية، وهو ما انعكس على مواقفه السياسية، مشيراً إلى دعوته لعقد قمة عربية طارئة في الدوحة عقب اجتياح القوات الإسرائيلية مدينة رام الله عام 2002 ومحاصرة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات داخل مقر المقاطعة، رغم ما واجهته تلك الدعوة من مواقف معارضة من بعض الأطراف العربية.
وأشار أحمد الشيخ إلى أن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات قال، وفق روايته، إن الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني كان الزعيم العربي الوحيد الذي تواصل معه هاتفياً أثناء حصاره في المقاطعة، معتبراً أن ذلك يعكس التزامه بالقضية الفلسطينية وإيمانه بأنها تمثل قلب الأمة العربية.
كما استعرض جانباً من رؤية الأمير الوالد للهوية والجغرافيا العربية، موضحاً أنه سأله يوماً عن حدود جزيرة العرب، فأجابه بأنها تمتد" من بحر العرب جنوباً إلى هضبة الأناضول شمالاً"، وهو ما اعتبره تعبيراً عن فهم واسع لوحدة المنطقة وانتمائها المشترك، وانعكاساً لرؤيته التي استندت إليها سياسات قطر، ولا سيما في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية.
وأوضح الشيخ أن أبرز ما أنجزه الأمير الوالد تمثل في بناء دولة قطر وتعزيز مكانتها، مستذكراً حديثاً دار بينهما قال فيه الشيخ حمد بن خليفة إنه أراد أن يجعل من قطر" وردة ينظر إليها الناس في كل العالم"، معتبراً أن البلاد أصبحت اليوم نموذجاً يعكس تلك الرؤية.
وقال الإعلامي أحمد الشيخ إن إطلاق قناة الجزيرة كان أحد أبرز تجليات رؤية الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، مؤكداً أن المشروع انطلق من إيمانه بأهمية وجود منبر إعلامي عربي حر يتيح للجمهور معرفة ما يدور حوله ويفتح المجال أمام تناول القضايا المختلفة باستقلالية.
وأوضح الشيخ أن المشهد الإعلامي العربي قبل تأسيس الجزيرة كان يغلب عليه الطابع الرسمي، وكانت معظم وسائل الإعلام تركز على إبراز أخبار الحكام، في حين اختار الأمير الوالد أن تبتعد القناة عن هذا النهج، فلم تكن أخباره تتصدر نشراتها، في إطار رؤية هدفت إلى جعل الإعلام في خدمة الجمهور لا السلطة.
وأضاف أن الشيخ حمد بن خليفة كان يحرص خلال زياراته لمقر الجزيرة على لقاء الصحفيين والعاملين فيها والتحدث إليهم بصورة مباشرة، مشيراً إلى أن تعامله اتسم بالبساطة والإنسانية، بعيداً عن المظاهر الرسمية، مع احتفاظه بالحزم في اتخاذ القرار.
واستعاد الشيخ حواراً دار بينه وبين الأمير الوالد بشأن مستقبل قناة الجزيرة، في ظل تراجع بعض المؤسسات الإعلامية القطرية التي كانت تحظى بمكانة عربية، مثل مجلة الدوحة، موضحاً أن الشيخ حمد بن خليفة أكد له حينها أن القناة ستظل محمية ولن يمسها أحد ما دام على قيد الحياة، وهو ما اعتبره دليلاً على التزامه باستمرار المشروع الإعلامي الذي أطلقه.
وبدوره، أكد رئيس تحرير صحيفة الشرق القطرية جابر الحرمي أن الأمير الوالد تبنى رؤية مبكرة جعلت من بناء الإنسان محوراً لنهضة قطر، معتبراً أن اهتمامه بالثقافة والإعلام شكّل أحد أبرز ملامح مشروعه التنموي وأسهم في ترسيخ مكانة الدولة على المستويين الإقليمي والدولي.
وقال الحرمي للجزيرة، إن الأمير الوالد كان نموذجاً لقائد استطاع أن يصنع مكانة لوطنه وشعبه، وأن يحول قطر إلى رقم مؤثر في المعادلات الدولية، بفضل رؤية استشرافية شملت مختلف القطاعات، من الثقافة والإعلام إلى الشباب وبناء المؤسسات.
وأضاف أن هذه الرؤية بدأت منذ عودته بعد تخرجه في كلية" سانت هيرست" وتوليه قيادة القوات المسلحة، حيث أولى اهتماماً كبيراً بصناعة الإنسان بالتوازي مع تطوير مؤسسات الدولة، معتبراً أن الاستثمار في الإنسان كان أساس مشروعه الوطني.
وأشار إلى أن اهتمام الأمير الوالد بالإعلام والثقافة سبق ظهور القنوات الفضائية والإعلام الحديث، مستشهداً بإطلاق مجلات" الصقر" و" الأمة" و" الدوحة"، التي قال إنها جسدت توجهاً نحو تعزيز الوعي والفكر والثقافة، ومنحت الإعلام دوراً محورياً في تنمية المجتمع وبناء القدرات الفكرية.
وأوضح الحرمي أن الأمير الوالد ركز على بناء الإنسان قبل تشييد العمران، معتبراً أن ما حققته الدوحة من تطور ومكانة جاء نتيجة تأسيس منظومة فكرية وثقافية وإعلامية أسهمت في إعداد الكوادر وبناء المجتمع، ومهدت للنهضة التي شهدتها قطر في مختلف المجالات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك