أثار نبأ وفاة السيناتور الأمريكي الجمهوري البارز ليندسي جراهام، " صدمة واسعة" في الأوساط السياسية بواشنطن، وتوجهت الأنظار فورا إلى إرث الرجل الذي عُرف كأحد أقرب حلفاء الرئيس دونالد ترامب وأشرس المدافعين عن إسرائيل في الكونجرس، وذلك بعد مسيرة سياسية امتدت لعقود لعب خلالها أدوارا مؤثرة في ملفات الدفاع والسياسة الخارجية.
وفاة ليندسي جراهام إثر مرض مُفاجئوفي التفاصيل، أعلن مكتب السيناتور الجمهوري الأمريكي ليندسي جراهام، وفاة عضو مجلس الشيوخ عن ولاية كارولاينا الجنوبية عن عمر ناهز 71 عاما، بعد إصابته بمرض وصفه البيان بـ" المفاجئ والقصير"، لتنتهي بذلك مسيرة سياسية امتدت لعقود جعلته أحد أبرز وجوه الحزب الجمهوري وأكثر الشخصيات تأثيرا في ملفات السياسة الخارجية والدفاع.
وأوضح مكتب جراهام، في بيان رسمي، اليوم الأحد، أن السيناتور توفي مساء أمس السبت، مشيرا إلى أن أسرته طلبت احترام خصوصيتها خلال هذه المرحلة، معربة عن تقديرها لكل رسائل الدعم والدعاء التي تلقتها عقب إعلان الوفاة.
ترامب يُودّع حليفه المُقربنعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السيناتور الراحل، واصفا إياه بأنه" أحد أعظم أعضاء مجلس الشيوخ الذين عرفهم على الإطلاق"، مشيدا بما اعتبره إخلاصه للولايات المتحدة ودوره في الدفاع عن مصالحها.
وقال ترامب، في منشور عبر منصة" تروث سوشيال"، إن جراهام كان" وطنيا أمريكيا حقيقيا"، مؤكدا أن وفاته تُمثّل خسارة كبيرة للحزب الجمهوري وللولايات المتحدة.
شخصية مُؤثرة داخل الحزب الجمهوريكان جراهام يُشغل رئاسة" لجنة الميزانية" في مجلس الشيوخ، كما كان يستعد لخوض انتخابات ولاية خامسة تمتد لست سنوات خلال الانتخابات المقررة في نوفمبر المقبل، بعدما حافظ على حضوره كأحد أبرز الأصوات الجمهورية في الكونغرس، لا سيما في ملفات الأمن القومي والسياسة الخارجية.
وخلال سنوات عمله في مجلس الشيوخ، برز جراهام كأحد أكثر السياسيين الأمريكيين تأثيرا في مناقشة قضايا" الدفاع والعلاقات الدولية"، مع احتفاظه بعلاقات وثيقة مع قيادات الحزب الجمهوري والإدارة الأمريكية، حسبما أفادت شبكة" إن بي سي نيوز".
الساعات الأخيرة قبل الوفاةكشفت تقارير إعلامية أمريكية، أن فرق الطوارئ استجابت، مساء السبت، لبلاغ عن حالة" توقف قلب" داخل منزل ليندسي جراهام في منطقة كابيتول هيل، حيث نُقل على متن سيارة إسعاف بعد محاولات لإنقاذه، وسط انتشار مكثف لقوات الشرطة والإطفاء في محيط المنزل.
ونقلت" إن بي سي نيوز"، عن أحد كبار مساعدي السيناتور الراحل، أنه" لم تكن هناك أي مؤشرات سابقة تدل على معاناته من مشكلات صحية خطيرة"، مشيرا إلى أن جراهام كان يستعد للظهور، صباح الأحد، في برنامج" Meet the Press"، قبل أن تُعلن وفاته بشكل مُفاجئ.
إشادات واسعة من قيادات الحزب الجمهوريأثارت وفاة جراهام موجة واسعة من رسائل النعي داخل الأوساط السياسية الأمريكية، حيث وصف زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ جون ثون، السيناتور الراحل بأنه" مُدافع قوي عن الولايات المتحدة وحليف ثابت للدول المحبة للحرية حول العالم".
من جانبه، قال حاكم ولاية كارولاينا الجنوبية هنري ماكماستر، إن الراحل كان" أشرس المدافعين عن الولاية والولايات المتحدة"، واصفا إياه بالصديق الوفي وصاحب المواقف الثابتة.
وبموجب قانون ولاية كارولاينا الجنوبية، سيتولى الحاكم تعيين عضو جديد لشغل مقعد جراهام في مجلس الشيوخ بشكل" مؤقت"، حتى الثالث من يناير من العام المقبل.
انتخابات مُبكرة لاختيار بديلتأتي وفاة جراهام في وقت كان قد حُسم فيه، خلال يونيو الماضي، الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري، ليضمن الترشح لولاية خامسة في مجلس الشيوخ، وهو ما يفرض على الحزب الآن اختيار مرشح بديل لخوض الانتخابات المقبلة.
وتزامن رحيل جراهام مع استمرار وجود السيناتور الجمهوري البارز ميتش ماكونيل في المستشفى، بعد تعرّضه لأزمة صحية استدعت تدخل فرق الإسعاف الشهر الماضي، في وقت أكد فيه فريقه الطبي أنه يُواصل التعافي دون الكشف عن تفاصيل إضافية بشأن حالته.
مِن مطعم عائلي إلى أروقة الكونجرسنشأ ليندسي جراهام في بلدة" سنترال الصغيرة" بولاية كارولاينا الجنوبية، حيث كان والداه يُديران مطعما وقاعة للبلياردو، قبل أن يُصبح أول فرد في أسرته يلتحق بالتعليم الجامعي.
وحصل جراهام على شهادة في القانون من جامعة كارولاينا الجنوبية، قبل أن يبدأ مسيرته العسكرية كمحامٍ في القوات الجوية الأمريكية، ثم واصل خدمته في قوات الاحتياط والحرس الوطني الجوي بولاية كارولاينا الجنوبية، بالتزامن مع عمله في الكونجرس، ليختتم مسيرته العسكرية عام 2015 برتبة عقيد بعد أكثر من ثلاثة عقود من الخدمة.
دخل جراهام الحياة السياسية عبر" مجلس النواب الأمريكي"، حيث شغل عضويته بين عامي 1995 و2003، قبل أن يترشح لمجلس الشيوخ ويفوز عام 2002 بالمقعد الذي كان يشغله السيناتور المخضرم ستروم ثورموند.
وخلال أكثر من عقدين داخل مجلس الشيوخ، رسّخ مكانته كأحد أبرز" صقور الحزب الجمهوري"، خاصة في ملفات الدفاع والسياسة الخارجية، كما تولى رئاسة لجنة الشؤون القضائية بين عامي 2019 و2021، قبل أن يرأس لاحقا لجنة الميزانية، ويُساهم في تمرير حزم تشريعية بارزة خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب الثانية، وفق" إن بي سي".
حضور بارز في ملفات الأمن والسياسة الخارجيةارتبط اسم جراهام لسنوات طويلة بالسياسات الخارجية الأمريكية، إذ كان من أبرز" الداعمين" لتشديد الموقف تجاه إيران، كما طالب الإدارتين الأمريكية، في عهد دونالد ترامب وجو بايدن، بمواصلة الدعم العسكري والسياسي لأوكرانيا في مواجهة روسيا.
وقبل أيام قليلة من وفاته، زار العاصمة الأوكرانية كييف، حيث التقى الرئيس فولوديمير زيلينسكي، وبحث معه احتياجات أوكرانيا الدفاعية، إلى جانب العقوبات المفروضة على روسيا.
وأشاد زيلينسكي، حينها بالدعم الذي قدّمه جراهام، فيما وصف رئيس البرلمان الأوكراني رسلان ستيفانشوك، السيناتور الأمريكي الراحل بأنه" صديق ثابت لأوكرانيا"، مؤكدا أنه كان يُدرك أن المعركة التي تخوضها كييف تُمثّل دفاعا عن الحرية والديمقراطية.
مِن معارض لترامب إلى أقرب حلفائهلم تكن العلاقة بين ليندسي جراهام والرئيس الأمريكي دونالد ترامب دائما على" وتيرة واحدة"، إذ كان السيناتور الجمهوري من أبرز مُنتقدي ترامب خلال الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري عام 2016، بل حذّر حينها من أن ترشيحه للرئاسة سيقود الحزب إلى الهزيمة.
لكن السنوات اللاحقة شهدت" تحولا لافتا" في العلاقة بين الرجلين، حيث أصبح جراهام أحد أقرب حلفاء ترامب داخل مجلس الشيوخ، ودافع باستمرار عن سياسات إدارته، مع احتفاظه بهامش من الاختلاف في بعض الملفات، بحسب" إن بي سي".
وفي مقابلة أجراها خلال فبراير الماضي، وصف جراهام نفسه بأنه" النجم الهادي" للرئيس الأمريكي، موضحا أنه كان يحرص على تقديم النُصح له في القضايا الكبرى، وأن ترامب كان ينظر إليه باعتباره أحد أكثر الشخصيات التي تساعده داخل مجلس الشيوخ.
إرث سياسي يتجاوز حدود الحزب الجمهوريارتبط اسم جراهام أيضا بتحالفه مع السيناتور الجمهوري الراحل جون ماكين، والسيناتور المستقل جو ليبرمان، في ما عُرف داخل الأوساط السياسية الأمريكية بـ" الأصدقاء الثلاثة"، نظرا لتوافقهم في تبني مواقف مُتشددة تجاه ملفات الأمن القومي والسياسة الخارجية.
وقال المحلل الجيوسياسي والأمني مايكل هورويتز، لـ" إن بي سي نيوز"، إن جراهام كان من آخر الشخصيات الجمهورية التي تمسكت بفكرة توظيف القوة الأمريكية في تشكيل النظام الدولي، معتبرا أنه لعب" دورا مؤثرا" في رسم توجهات الحزب الجمهوري في ملفات الدفاع والسياسة الخارجية.
وأضاف هورويتز، في تصريحاته للشبكة الأمريكية، أن نفوذ جراهام خلال سنوات حكم الرئيس دونالد ترامب لم يعد يقتصر على مجلس الشيوخ، بل امتد إلى" دوائر صُنع القرار في البيت الأبيض"، مستفيدا من علاقته الوثيقة بالرئيس الأمريكي، وهو ما عزز حضوره في أبرز ملفات السياسة الخارجية حتى وفاته.
وتُنهي وفاة ليندسي جراهام مسيرة أحد أبرز أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، الذي ظل حاضرا في المشهد السياسي لسنوات طويلة، قبل أن يترك مقعده شاغرا بانتظار الإجراءات الدستورية لاختيار من يخلفه، بحسب تقارير إعلامية أمريكية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك