في الثاني عشر من يوليو عام 1191، نجحت قوات الحملة الصليبية الثالثة في الاستيلاء على مدينة عكا بعد حصار استمر قرابة عامين، في واحدة من أهم معارك الحروب الصليبية.
ورغم أن سقوط المدينة منح الصليبيين أكبر انتصار لهم منذ استعادة صلاح الدين الأيوبي للقدس، فإن الخلافات التي اندلعت بين قادتهم بدأت منذ اللحظة الأولى، وكشفت أن طريقهم نحو القدس لن يكون معبّدًا بالانتصارات فقط، بل بالصراعات أيضًا.
بعد استعادة صلاح الدين القدس عام 1187، دعا البابا إلى حملة صليبية جديدة شارك فيها ثلاثة من أبرز ملوك أوروبا: الإمبراطور الألماني فريدريك بربروسا، والملك الفرنسي فيليب أوغسطس، وملك إنجلترا ريتشارد الأول المعروف بـ" قلب الأسد".
وتوفي بربروسا قبل وصوله إلى الأراضي المقدسة، بينما واصل الفرنسيون والإنجليز الحملة، واتجهوا إلى عكا، التي كانت تمثل أهم الموانئ الإسلامية على الساحل الفلسطيني.
فرض الصليبيون حصارًا بريًا وبحريًا على المدينة، في حين حاول صلاح الدين مرارًا كسر الحصار، إلا أن وصول ريتشارد قلب الأسد في يونيو 1191، مصحوبًا بتعزيزات كبيرة، رجّح كفة الصليبيين، لتنتهي المقاومة الإسلامية باستسلام المدينة في 12 يوليو.
ريتشارد يتصرف كأنه الملك الوحيدما إن دخل ريتشارد عكا حتى بدأت الخلافات داخل المعسكر الصليبي.
فقد تعامل مع المدينة باعتبارها ملكًا شخصيًا له، ونزل في قصرها الرئيسي مع أفراد أسرته، بينما خُصص للملك الفرنسي مقر أقل شأنًا، رغم اتفاق الطرفين على تقاسم النفوذ.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ أمر برفع العلم الإنجليزي أولًا فوق المدينة، ثم العلم الفرنسي إلى جواره، ومنع بقية قادة الحملة من رفع أعلامهم، وكان أبرز المتضررين ليوبولد الخامس، دوق النمسا، الذي أنزل ريتشارد رايته وألقاها أرضًا، في تصرف اعتبر إهانة علنية دفعت الدوق إلى التعهد بالانتقام.
صراع على عرش لم يُسترد بعدبعد سقوط عكا، انفجر خلاف آخر بين قادة الحملة حول لقب ملك القدس، رغم أن المدينة نفسها كانت لا تزال تحت سيطرة المسلمين.
فقد دعم ريتشارد مطالبة غي دي لوزينيان بالعرش، بينما وقف الملك الفرنسي إلى جانب كونراد دي مونتفيرات، لينقسم قادة الحملة إلى معسكرين، وتزداد الخلافات السياسية داخل الجيش الصليبي.
أدرك فيليب أوغسطس أن استمرار الحملة سيجعله تابعًا لريتشارد أكثر منه شريكًا، كما أثقل المرض كاهله، فقرر العودة إلى فرنسا.
ورفض ريتشارد في البداية رحيله، خشية أن يضعف ذلك الحملة، وكذلك خوفًا من أن يستغل فيليب غيابه للهجوم على ممتلكاته في أوروبا.
وفي النهاية، وافق الملك الفرنسي على المغادرة، لكنه ترك نحو عشرة آلاف جندي تحت قيادة ريتشارد، وتعهد بعدم مهاجمة أملاك إنجلترا خلال فترة محددة، لتنتهي بذلك الشراكة بين أبرز زعيمي الحملة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك