ارتبط اسم العلمين في الوعي العالمي بمعركة حاسمة خلال الحرب العالمية الثانية، لكن تاريخ المنطقة يمتد إلى ما قبل ذلك بأكثر من ألفي عام، حين كانت مدينة ساحلية مزدهرة عُرفت باسم ليوكاسبيس (Leucaspis)، وشكلت أحد أهم الموانئ التجارية على الساحل الشمالي لمصر خلال العصرين اليوناني والروماني.
ليوكاسبيس.
ميناء التجارة في البحر المتوسطتشير الدراسات الأثرية إلى أن المدينة القديمة ازدهرت خلال القرنين الثاني والثالث الميلاديين، ووصل عدد سكانها إلى نحو 15 ألف نسمة، وكانت محطة رئيسية للتجارة بين مصر وليبيا وجزيرة كريت، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي على البحر المتوسط.
وضمت المدينة مباني عامة وأسواقًا ومنازل فخمة، إلى جانب كاتدرائية رومانية وقاعة كبيرة حُولت لاحقًا إلى كنيسة، كما كانت تضم مرافئ طبيعية تسمح للسفن بالاحتماء أثناء العواصف والتزود بالمياه والمؤن قبل استكمال رحلاتها.
لم يكن ازدهار المدينة مرتبطًا بالملاحة فقط، بل لعبت دورًا اقتصاديًا مهمًا، إذ كانت المنطقة تنتج كميات كبيرة من القمح والعنب والزيتون التي كانت تُنقل إلى الإمبراطورية الرومانية، ما أدى إلى ازدهار صناعات مرتبطة بها، أبرزها صناعة الأواني الفخارية (الأنفورات) المستخدمة في حفظ الزيوت والنبيذ ونقلها عبر البحر.
كما عثر علماء الآثار على أدلة تشير إلى وجود محطات مخصصة لتزويد السفن بالمياه والغذاء، وهو ما جعل المدينة محطة أساسية للملاحة في شرق البحر المتوسط.
في عام 365 ميلادية، تعرضت المنطقة لواحدة من أعنف الكوارث الطبيعية في تاريخ البحر المتوسط، عندما وقع زلزال ضخم قبالة جزيرة كريت أعقبته موجة تسونامي هائلة دمرت مدينة ليوكاسبيس بالكامل.
ولم تُعد المدينة إلى الحياة مرة أخرى، بسبب ما كانت تعانيه الإمبراطورية الرومانية آنذاك من اضطرابات سياسية واقتصادية، لتختفي آثارها لقرون طويلة تحت الرمال.
ظل موقع المدينة مجهولًا حتى عام 1986، عندما عثر مهندسون أثناء تنفيذ مشروعات طرق في مارينا العلمين على بقايا منازل ومقابر أثرية، لتبدأ بعدها أعمال التنقيب التي كشفت عن مدينة رومانية متكاملة، وصُنفت المنطقة الأثرية على مساحة تقارب 200 فدان، واستمرت الحفائر طوال تسعينيات القرن الماضي.
خلال العصور اللاحقة، أطلق البدو على المنطقة اسم" البحرين" بسبب وجود البحيرات الساحلية المتصلة بالبحر المتوسط، بينما يُنسب إطلاق اسم العلمين إلى الخديوي عباس حلمي الثاني، الذي استخدم هذا الاسم في العصر الحديث.
العلمين ومعركة غيرت مجرى الحربعادت المنطقة إلى واجهة التاريخ مجددًا عام 1942، عندما شهدت معركة العلمين الشهيرة بين قوات المحور بقيادة المشير الألماني إرفين رومل وقوات الحلفاء بقيادة الجنرال البريطاني برنارد مونتجمري.
واكتسبت العلمين أهمية استراتيجية بسبب موقعها الجغرافي؛ إذ يحدها البحر المتوسط شمالًا ومنخفض القطارة جنوبًا، وهو ما جعلها نقطة دفاع مثالية أوقفت تقدم قوات المحور نحو مصر.
وانتهت المعركة بانتصار الحلفاء، لتصبح نقطة تحول كبرى في الحرب العالمية الثانية، وما زالت مقابر الجنود ومتحف العلمين العسكري شاهدين على تلك المواجهة التاريخية.
السفن الغارقة.
كنوز تنتظر الاكتشافوخلال السنوات الأخيرة، كشفت أعمال المسح الأثري عن بقايا سفينة غارقة تعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد، عُثر بداخلها على عشرات الأواني الفخارية، ويُرجح أنها كانت قادمة من جزيرة رودس قبل أن ترتطم بصخور الساحل وتغرق.
ويرى الأثريون أن قاع البحر قبالة العلمين لا يزال يخفي الكثير من السفن والآثار، سواء من العصرين اليوناني والروماني أو حتى من فترة الحرب العالمية الثانية، وهو ما يجعل المنطقة مرشحة لأن تصبح واحدة من أهم مواقع الآثار الغارقة في مصر، بما تمثله من قيمة تاريخية وسياحية كبيرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك