تتزايد حدة السجال السياسي داخل الأوساط الأمريكية بالتزامن مع استعداد الكونجرس لإنهاء عطلته واستئناف جلساته الأسبوع المقبل؛ حيث يحيط الغموض بالحالة الصحية للسيناتور ميتش ماكونيل، البالغ من العمر 84 عاما.
واختفى المشرع الجمهوري البارز عن ولاية كنتاكي تماما عن الأنظار العامة منذ نقله إلى أحد مستشفيات العاصمة واشنطن في منتصف يونيو الماضي.
وعلى الرغم من انقضاء ما يقارب الشهر على دخوله المستشفى، يواصل مكتبه تقديم تحديثات مقتضبة للغاية تفيد بتماثله للشفاء ومتابعته لأعمال مجلس الشيوخ، مع الامتناع التام عن توضيح طبيعة حالته المرضية أو تقديم تفسير واضح لأسباب استمرار بقائه في المستشفى.
وزادت التكهنات تعقيدا بعد كشف منصات إعلامية عن تسجيلات صوتية لفرق الإسعاف والطوارئ تظهر توجه طواقم الإنقاذ إلى منزل السيناتور عقب بلاغ عن وجود شخص مغمى عليه، وبدء عمليات الإنعاش القلبي الرئوي له.
وعرضت شبكة" سي إن إن" مقطع فيديو يُظهر نقل شخص لم تتضح تفاصيل وجهه على ناقلة طبية نحو سيارة الإسعاف.
وفي المقابل، التزم مكتب ماكونيل الصمت ممتنعا عن تأكيد أو نفي تلك التقارير، ما خلق بيئة خصبة لانتشار الشائعات المستندة إلى مؤشرات ظرفية.
سجال الوفاة المحتملة وتحديات التصويت داخل الكونجرسوضمن حالة التكتم هذه، رجح مالكوم نانس، وهو ضابط مخابرات أمريكي متقاعد متخصص في مكافحة الإرهاب وفني طوارئ طبي سابق في الجيش، وفاة السيناتور فعليا.
وأوضح نانس في لقاء عبر برنامج البث الصوتي" تروث إن ذا باريل" مع إيمي مجراث، المرشحة السابقة التي خسرت الانتخابات التشريعية أمامه، أن تحليله لشريط اتصالات الطوارئ وخبرته الطبية العسكرية يؤكدان أن فرص البقاء على قيد الحياة بعد الخضوع للإنعاش القلبي تبدو ضئيلة جدا.
وعلقت مجراث، وهي قائدة مقاتلات سابقة في سلاح مشاة البحرية الأمريكية، بأن هذه القراءة مثيرة للاهتمام وتستدعي ترقب ما ستكشفه الأيام المقبلة.
ويتزامن هذا الغموض مع عودة مجلس الشيوخ لعقد دورة تشريعية مكثفة تمتد لأربعة أسابيع، تركز على ملفات الإنفاق الدفاعي، والأمن القومي، وتمويل العمل الحكومي.
ويهدد غياب ماكونيل قدرة الجمهوريين على تمرير هذه التشريعات الحيوية لامتلاكهم أغلبية هشة لا تتعدى 53 مقعدا مقابل 47 مقعدا للديمقراطيين، وقد زادت الوفاة المفاجئة للسيناتور ليندسي جراهام، اليوم الأحد، الموقف تعقيد بالنسبة للجمهوريين.
ويشغل السيناتور الغائب منصب رئيس لجنة القواعد بمجلس الشيوخ، إلى جانب رئاسته للجنة المخصصات الدفاعية المعنية بتحديد ميزانية البنتاجون، والتي يتمتع فيها الحزب الجمهوري بأغلبية مقعد واحد فقط.
وبدون حضوره، ستتعقد الخلافات الحزبية حول الموازنة السنوية قبل حلول الموعد الحاسم في 1 أكتوبر المقبل، ما اضطر قادة الكونجرس للتلميح إلى إمكانية تبني تمويل مؤقت لتفادي وقوع إغلاق حكومي.
ومن جانبه، وجه حاكم ولاية كنتاكي الديمقراطي، أندي بشير، رسالة علنية حث فيها ماكونيل على طمأنة ناخبيه وتبديد قلق سكان الولاية بشأن قدرته الجسدية على تمثيلهم وأداء مهامه.
واكتفى مكتب السيناتور بإصدار بيان مقتضب أعرب فيه عن شكره لرسائل الدعم والتعاطف، مؤكدا استمراره في إدارة مسؤولياته الطبية والسياسية من داخل المستشفى.
تحالفات واشنطن البرلمانية وأزمة التداول الدستوريوفي محاولة للحد من الشائعات، أعلن زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ جون ثون والمسؤول الحزبي جون باراسو عن تواصلهما هاتفيا مع ماكونيل، واصفين إياه بأنه يقظ ومتابع للمستجدات السياسية.
وعند سؤال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على متن الطائرة الرئاسية عن وضع السيناتور، أجاب باقتضاب بأنه لا يملك أي فكرة عن حقيقة وضعه الصحي.
ويعد ماكونيل أقدم زعيم حزبي في تاريخ مجلس الشيوخ، وقد عانت صحته من نكسات سابقة شملت ارتجاجا في الدماغ جراء سقوطه عام 2023، وحادثتي تجمد عن الكلام أمام مراسلي الصحافة، فضلا عن التواء في معصمه، وقضاء أسبوع في المستشفى مطلع هذا العام إثر أعراض إنفلونزا شديدة.
ويعيد هذا الغياب للأذهان قضية النائب الجمهوري عن ولاية نيوجيرسي، توماس كين، الذي غاب 4 أشهر قبل الإعلان عن خضوعه للعلاج من الاكتئاب.
وتتشابه كواليسها مع محاولات الديمقراطيين السابقة للتغطية على التراجع الصحي للرئيس جو بايدن والسيناتور عن ولاية كاليفورنيا ديان فاينشتاين التي فارقت الحياة أثناء توليها المنصب عن عمر ناهز 90 عاما.
وصرح ريد جالين، رئيس تحالف انضم إلى الاتحاد الداعم للديمقراطيين، بأن السيناتور على الأرجح لا يزال حيا لصعوبة إخفاء واقعة الوفاة، موضحا أن طاقمه الإداري هو من يدير شؤون ولاية كنتاكي حاليا تلبية لمصالحهم السياسية الخاصة، واصفا المشهد بأنه مثال حي على" حكم الشيخوخة" في واشنطن الذي يقدم المكتسبات الفئوية على مصالح الشعب.
وفي حال استمرار بقاء ماكونيل عاجزا عن العودة قبل شهر يناير المقبل، فإن لوائح مجلس الشيوخ لا تجيز التصويت بالوكالة، ما يحرم الحزب الجمهوري من صوته البرلماني طوال فترة الغياب.
وستصبح الأزمة أكثر تعقيدا في حال وفاته أو تنحيه؛ إذ عدلت الأغلبية الجمهورية في برلمان ولاية كنتاكي القانون عام 2024 لسحب صلاحية تعيين بديل مؤقت من الحاكم الديمقراطي.
وبدلا من ذلك، يفرض التعديل تنظيم انتخابات استثنائية لم تُجرب إجراءاتها وتوقيتاتها قانونيا من قبل، وقد تواجه طعونا قضائية تعوق تنفيذها، ما يهدد ببقاء المقعد شاغرا حتى أداء الكونجرس الجديد لليمين الدستورية في يناير القادم.
وشبه المحلل والكاتب جون زوجبي المشهد بحالة الجنرال فرانكو في السبعينيات، حين شاع دخوله في غيبوبة مع بقائه حيا دون تصديق الشارع، نتيجة عجز النخبة الإسبانية آنذاك عن صياغة مسارات واضحة لانتقال السلطة، وفقا لصحيفة" الجارديان".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك