لكل ذات بغض النظر عن التمظهر الفردي، أو الجمعي سرديته الخاصة، في حين أن مفهوم السردية التي نشأت بوصفها استراتيجية خطابية تتقصد في بعض السياقات تحقيق دور وظيفي، ولا أجانب الصواب إذا ما قلت إن السردية بدأت مع الإنسان، وربما كانت أقدم من ذلك، بالتوازي مع التعديل من ناحية الإضافة، أو الحذف، غير أن التأطير النظري لهذا المفهوم جعل مفهوم السردية يتخذ قيمة مضاعفة في السياقات المعاصرة، ولاسيما تطور مفاهيم الذات، وحدودها، حيث تعود أصول فكرة الأمة بوصفها سردية إلى رينان، غير أنّ تأسيسها الحديث ارتبط بأندرسون، في حين منحها هومي بابا صيغتها النقدية الأوضح، بوصف الأمة خطاباً سردياً متنازعاً.
والسينما تمثل جزءاً من أدوات تشكيل السردية بناء على الواقع والتاريخ، وما يكمن بينهما، بيد أن السردية في تجاذبها بين الذاتي والجمعي قد تبدو نمطاً إشكالياً، حيث غالباً ما يتم اقتطاع السردية الخاصة بالفرد لتكون جزءاً من تكاملية السردية الجمعية، أو بمعنى أبسط تلك القصة التي باتت جزءاً من حكاية الجماعة.
وهكذا يمكن أن ننظر إلى الفيلم الذي أخرجته المخرجة التونسية كوثر بن هنية بعنوان «صوت هند رجب» كونه يقع في إطار السردية الفلسطينية، بيد أنه يقع أيضاً في إطار سردية أصغر تتعلق بالحرب الأخيرة على غزة.
الفيلم الذي صدر سنة 2025، وحصل على جوائز من مهرجانات عالمية، كما شارك عدد من الممثلين النجوم كمنتجين تنفيذين، ومنهم براد بيت، ويواكيم فينكس، يمكن تصنيفه على أنه «دراما توثيقية» بداعي مرجعية الواقع، ونعني استشهاد هند رجب التي أمست رمزاً يحيل إلى سائر الضحايا الأطفال، ومن هنا يكمن تناقض العالم الذي تجاهل نزعته الأخلاقية، وعجز عن حماية الطفولة من الحروب أينما كانت، وبذلك فإن أي صيغة سردية تحتمل في تكوينها رغبة في توجيه النظر، وتذكير العالم بهذا النهج، في حين تتمايز قنوات التعبير، غير أن السينما تبقى حاضرة في هذا الإطار.
إن الموت بوصفه عملية استلاب لحق شخص ما في الحياة، ينبغي ألا يتجاوزها الضمير البشري بأي شكل من الأشكال، غير أن المعضلة تكمن فيما يحاذي الموت، بمعنى ذلك الخوف الذي يتصل به، وأثره على الآخرين، مع اختبار مقولة كيف يمكن فهم مشاعر الإنسان في تعاملها مع الحدث، وهو ما يمكن أن يقودنا إلى تمثلات التعامل مع المشاعر، وتكوينها من ناحية معرفية نفسية.
من الجزئية السابقة يمكن أن نُعاين الصيغة التي أرادت المخرجة التونسية كوثر بن هنية أن تقدم فيها سردية «الخوف» التي عانت منها طفلة فلسطينية، وعلى ما يبدو فإن النموذج الاختزالي للحدث قد شكل جزءاً من المعالجة، حيث انطلقت المخرجة من التكوين الأوضح، ونعني ذلك الاتصال الذي قامت به هند مع طواقم الهلال الأحمر الفلسطيني، وما كمن في صوتها من خوف، وهلع، لاسيما وهي تطلب المساعدة.
لقد شكلت هذا الجزئية المنظور الذي سعى الفيلم إلى استحضاره عبر الاعتماد على وعي المشاهد في تقدير الموقف كونه ينتج عن طفلة في السادسة من عمرها تستنجد العالم، غير أن صوتها يضيع، ويتلاشى حتى يصمت.
إن فكرة الصوت تحيلنا على قيمة خطابية واضحة، ويمكن تقديرها بالرسالة، بمعنى سلب الحق في الحياة، والإسكات، كما التجاهل، وبين ثنايا ذلك المسؤولية الأخلاقية، ولكن الأهم مخاطبة العالم، من خلال أثر صوت ضحية، وبناء عليه فإن موقع الخطاب ينتقل من الذات إلى الآخر، في حين السؤال يتمثل بمقولة هل يمكن أن يتحقق التأثير، أو التغيير؟لقد شكلت سردية هند رجب صدمة للعالم الأخلاقي، ومع ذلك فربما هنالك الكثيرون من العالم لم يعرفوا عنها، وبناء عليه فإن الفيلم، أو أي مبادرة جاءت كي تعيد تمكين صوت هند بوصفها الضحية، التي تمثل كل الضحايا الفلسطينيين من الأطفال، أو حتى أطفال العالم لتثبت هذا الحق، ولكي يكون جزءاً من ذاكرة العالم، ووعيه.
إن تقييمات دور الفيلم يبرر صيغته السينمائية التي عمدت إليها المخرجة، ونعني التسجيلات الحقيقية بوصفها جزءاً من اختزال الحالة برمتها، وعلى الرغم من الانتقادات التي وجهت لهذا النهج، فإن الفكرة تكمن في إحالة الفيلم إلى بنية درامية توثيقية تبعاً لهذا النسق، في حين قررت المخرجة أن تختار بيئة محدودة، ونعني مكاتب الهلال الأحمر، كي ترصد انعكاس خوف هند على الآخرين، بمن فيهم المشاهد، وضمن سياقات تكوين ذلك، فإن الأثر الذي اختبره العالم قد تشكل في تحقق الإدراك بأن الفيلم (الحكاية) نهايتها معروفة، ولا يوجد حالة ترقب، لأن القصة بكل أبعادها تحيل إلى واقع، في حين أن الاستغراق بقيم الانعكاس على العاملين في المكتب، ولاسيما الشاب، والفتاة، ومدير التنسيق قد شكل جزءاً تقنياً من محاولة دفع الفيلم إلى مساحات من الترقب، ولكن الأهم محاولة تشريح تلك اللحظات في وعي هؤلاء العاملين في هذا الحقل، وكيف يمكن مواجهة هذا الواقع.
إن تمكين مقولة الصراع أو ذلك التوتر بين الشاب الموظف من جهة ومدير التنسيق من جهة يدفع المشاهد إلى اكتناه مقولة مشاعر العاملين في هذا الحقل، ومن ذلك فهم المسوغات التي ينطلق منها كل عامل، فمدير التنسيق كان يعي دوره المسؤول لحماية العاملين أو المنقذين الذي استشهدوا بدورهم في محاولة إنقاذ هند، في حين أن الشاب موظف الاتصال كان ينطلق من وعي قيمة الإنسان، ولا سيما طفلة تستنجد، وتختبر فيضاً من الخوف غير مسبوق، غير أن القيمة المنوطة أو الحقيقية تتقصد بيان عجز الكل عن إنقاذ طفلة، والأهم البرتوكول المتبع في هذه الدوائر؛ من ناحية التنسيق مع الصليب الأحمر، الذي يعمل بوصفه وسيطاً بين الهلال الأحمر الفلسطيني وقوات الكيان، وهي تفاصيل بيروقراطية لا تنظر إلى الزمن، وأثره على حياة الفرد، الذي لا تُدرك قيمته بوصفه إنساناً بمقدار ما ينظر إليه على أنه وجود قد يصدف أن يقع في المكان، أو الزمن الخطأ، وهنا تكمن قيمة الفيلم الذي نهض على تعرية المبدأ، والآلية، والعمى المؤسساتي، فالصورة الكلية للفيلم تشي بمدى التعقيد الذي واجهه الفلسطينيون في غزة، حيث تتشتت العائلات، وقد يضطر طفل لمواجهة أقصى لحظات الخوف في غياب أي شخص راشد حوله، وهي الفاعلية التي عمل عليها الفيلم، وتقصدّها باقتدار.
على الرغم من محدودة المكان، والاقتصار على التصوير في حيز ضيق، ونعني مكتب الهلال الأحمر، غير أن كوثر بن هنية سعت إلى أن تعميق نموذج أرشيفي: الصوت، والصور، والسيارة، في حين غيبت أي مشاهد تخييلية للحدث من ناحية إبراز العنف، حيث فضلت الانحياز إلى الرؤية، التي أرادت إيصالها للعالم، وهي معالجة التتبع، والتوتر لتكون ذات طابع مغاير عن المتوقع، وربما يعود هذا إلى حساسية الموقف، وحداثة زمنه، في حين أن رؤية سينمائية أخرى قد تفضل معالجة تعمد إلى النمط الذي يميل إلى الإثارة، والاستغراق في بناء سردية تحيط بذات هند، أو عالمها، ضمن شخصية تجسد دورها، أو تكوين صيغة تعمد إلى الموقع، وبناء صورة للواقع عنيفة، وقوية قد تحتمل قدراً من التأثير العاطفي على المشاهد، أو إطلاق طاقات الغضب، بيد أن هذا يناقض الصيغة التي أرادتها المخرجة، فهذه الصيغة من المعالجة قد تعمل على تقويض التوجهات الخطابية التي سعت المخرجة إلى تبنيها، ونعني التركيز على قيمة الصوت، والتغييب، والعجز عن إنقاذ الطفولة، ولكن الأهم الصيغة الأرشيفية.
وضمن قراءة أدوار التجسيد للمثلين فإن الأداء كان موفقاً، على الرغم من أنه كان يمكن إضافة قدرة احترافية أكبر، وربما قدرة على تنسيق زوايا التصوير، والحرص على استبطان المشاعر بصورة أكبر من ذلك، أو أكثر نضجاً.
لقد تمكن الفيلم من استحضار نموذجية خطابية تسم المقاربة السينمائية في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، التي نزعت مؤخراً إلى استنهاض مقولة الضحية، ولا يمكن الطعن في ذلك من مبدأ أن هذه الاستراتيجية ما زالت جزءاً من تكوينات الخطاب السينمائي المتصل بالمسألة اليهودية، ما يقودنا إلى إن صراع السرديات لا يمكن أن نقرأه بوصفه صراعاً بمقدار ما يعني إحالة إلى واقع، فحياة الطفل الفلسطيني لا تقل عن حياة أي طفل في العالم، في حين وجود الطفل بغض النظر عن هويته، وعرقه ينبغي ألا يكون جزءاً من أي صراع، والأهم ألا يُستباح دمه بغض النظر عن الموقف، أو الوقائع، ومن هنا فإنه من المشروع استحضار سردية هند رجب التي تحولت إلى نموذج يمكن أن توضع في مواجهة سردية آن فرانك الطفلة التي جعلت من يومياتها سردية لإدانة الجريمة النازية، فتأسست مؤسسة لتخلد اسمها، وفي المقابل تشكلت مؤسسة تحمل اسم «هند رجب» بعد عقود من سردية آن فرانك، ومع ذلك فإن التماثل أو التوازي يبقى قائماً، وأعني الطفولة المنتهكة، ولكنْ ثمة قاسم آخر يتحدد بالضحية التي أنتجت ضحية أخرى تماثلها، وبناء على ذلك فإن الفيلم، سعى إلى خلق معنى الصوت، واستحضاره، كما هي أيضاً يوميات آن فرانك أو صوتها، وكلا الصوتين أدرجا في ذاكرة العالم بوصفهما إدانة له، ومن هنا يتحقق التشابه لا التماثل، فكلا التجربتين اختبرتا معنى الخوف، وتحييد معنى الطفولة، والاستباحة، في حين يكمن الفرق في الصيغة التوثيقية، فعلى الرغم من وجود بعض الأصوات التي شككت في سردية آن فرانك عبر الطعن في تلك اليوميات، ومحاولة الرد على ذلك ما جعلها في موضع لا يقينية التاريخ، في حين أن سردية هند رجب لا يمكن إنكارها، وتحتمل قدراً من الإدانة يفوق أي محاولة للتشكيك، أو الطعن بها بداعي الدليل، ما يبرر النزعة التوثيقية للفيلم.
إن تلك الطفلة اليهودية التي دونت يومياتها، وسلبت حياتها في المعتقل حضرت بعد ذلك في الذاكرة بالكلمة، كما هي هند رجب التي حضرت بالصوت، وبناء على ذلك يمكن فهم القيمة الحقيقية للفيلم أنه سعى إلى خطاب لا يتوجه إلى العالم العربي فحسب، وإنما إلى العالم برمته، ومع التقدير العظيم للفكرة، والأداء للفيلم، غير أن الأثر الذي يمكن من خلاله مقارنة الأعمال التي عالجت ذاكرة الهولوكوست، لا تقارن بالأفلام العربية أو الفلسطينية التي بقيت إلى حد ما ذات تأثير محدود، وهو ما يمكن إحالته إلى عجز المؤسسة العربية مجتمعة عن خلق سينما تعالج وقائع المشكلة الفلسطينية، وغيرها، في حين أن السينما الغربية بمختلف توجهاتها ولغاتها الناطقة ما زلت معنية باستدعاء التاريخ، ومعالجته، ومحاولة تكريس صيغ سينمائية جديدة ومستحدثة على الدوام، مع توفير ميزانيات ضخمة، على العكس من السينما العربية حيث يعاني المخرجون العرب من توفير التمويل اللازم لإنتاج فيلم يتصل بهذه القضية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك