العربية نت - أول رئيس للبرلمان السوري بعد سقوط الأسد.. تعرف على عبد الحميد العواك وكالة سبوتنيك - وكالة: الحرس الثوري الإيراني استهدف منصات "هيمارس" أمريكية في الكويت روسيا اليوم - أوليانوف: قصف محطة بوشهر الكهروذرية قد يتسبب بعواقب كارثية روسيا اليوم - عمدة موسكو: الدفاع الجوي دمر حوالي 300 مسيرة أوكرانية كانت متجهة نحو العاصمة خلال 24 ساعة قناة العالم الإيرانية - إيران تدمر منصات «هيمارس» في الكويت كانت تستعد لاستهداف أراضيها العربي الجديد - طهران: الهجمات الأميركية أجهزت على جهود خفض التوتر قناة التليفزيون العربي - باحث سياسي للتلفزيون العربي: واشنطن وطهران تعيدان رسم قواعد الردع في مضيق هرمز قناة العالم الإيرانية - إيران: واشنطن ترتكب أبشع جرائم الحرب واستمرار العدوان يلغي التزامنا بالمذكرة العربي الجديد - لقطة أربكت فيفا.. هل سقطت تقنية الكرة الذكية في الاختبار الأصعب؟ روسيا اليوم - إعلام إيراني: نحو 10 قذائف أصابت أهدافا عسكرية في جزيرة قشم جنوبي إيران (فيديو)
عامة

الصورة عند الجاحظ… إعادة قراءة لمصطلح غاب عن النقد العربي

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة

لا ينتمي كتاب «مفهوم الصورة في كتاب البيان والتبيين عند الجاحظ» لمحمد العناز إلى الدراسات التي تكتفي بتتبع الصور البلاغية أو تحليلها، بل ينصرف إلى سؤال أكثر عمقا: كيف تشكل مفهوم الصورة نفسه في التراث ...

لا ينتمي كتاب «مفهوم الصورة في كتاب البيان والتبيين عند الجاحظ» لمحمد العناز إلى الدراسات التي تكتفي بتتبع الصور البلاغية أو تحليلها، بل ينصرف إلى سؤال أكثر عمقا: كيف تشكل مفهوم الصورة نفسه في التراث النقدي العربي؟ وتنبع أهمية هذا السؤال من أن النقد الحديث، على وفرة دراساته التطبيقية، لم يحسم مفهوم الصورة من الناحية النظرية.

فكما يشير فرانسوا مورو، يظل هذا المصطلح من أكثر المصطلحات النقدية غموضا واتساعا، لتعدد استعمالاته وافتقاره إلى تعريف جامع.

لذلك ازدهرت الدراسات التي تبحث في الصورة داخل النصوص، بينما ظل البحث في مفهومها نفسه محدودا، الأمر الذي أبقى معايير الحكم على جماليات الصورة موضع جدل دائم.

من ناحيةٍ أخرى فإن البحر الذي اختار العنَّاز أن يخوض فيه، هو بحر التراث، ورغم أن جابر عصفور يقول عن مصطلح الصورة الحديث: «المشاكل والقضايا التي يثيرها المصطلح الحديث ويطرحها موجودة في التراث، وإن اختلفت طريقةُ العرض والتناول، أو تميزت درجات التركيز والاهتمام»، إلا أن الخوض في التراث ليس بالأمر الهين، ويحتاج إلى باحثٍ من نوع خاص، يستطيع التعامل مع اللغة التراثية ويفهمها من ناحية، ولديه إلمامٌ بالمنهج النقدي، الذي يستطيع من خلاله أن يستنبط القواعد من دون تحيز، فلا ينطلق من التراث مُهوِّلاً ولا مُهوّناً، ولا يحاول أن ينتصر لفكرة مسبقة من خلال قراءته النقدية، وهو ما يؤكده الباحثُ حين يقول: «وننوه إلى أننا سنعمل في إنجاز هذه المهمة على احترام نصوص الجاحظ؛ بحيث سنجعلها منطلقاً لنا في البحث، وسنتخلى عن كل إسقاطٍ نظري؛ أي لن ننطلق من مسبقاتٍ نظرية، ونجعل منها شرطاً لما نستخلصه من أحكام.

سنترك نصوص الجاحظ تتكلم، مكتفين بالاستماع إلى ما تقترحه علينا من أفكار، وهكذا سنتتبع آثار الجذر اللغوي «صور» في كتاب الجاحظ «البيان والتبيين»، مع الإشارة إلى ما يوضح استعمال فعل «صور» في كتبه الأخرى، وأخص بالذكر كتاب «الحيوان»، لأننا نعتقد أن أعمال الجاحظ المختلفة تتكامل في ما بينها».

وبهذه الرؤية المنهجية سيمضي باحثُنا في تتبع الجذر اللغوي «صور»، وتنوعاته في كتب الجاحظ، لكن هل سينجح في الحفاظ على ما اختطهُ لنفسهِ من خطٍ منهجيٍّ استقرائي؟ وهل يمكن تجنب ما وضعتهُ نظرياتُ النقد المعاصرة من توضيحاتٍ حول الصورة، والانسلاخ منها تماماً؟ بالتأكيد هي نقطة جوهرية يصعب معها الإقرار بالموضوعية الكاملة، فهناك الآن رصيدٌ ضخمٌ من الأفكار الحداثية التي أثرت على أفكارنا، سلباً أو إيجاباً، بشأنِ مفاهيم الصورة النقدية؛ «فمنذُ أرسطوطاليس، والصورةُ مَبحثٌ للتفكير الأدبي، ومن ثم فإن خصوصيةَ الفكرة بالمحايدة يصعب تحقيقها»، سنتابع ذلك في تتبع مفهوم الصورة لدى الجاحظ في قراءة العناز، لكن يبقَى سؤالٌ مُهم: لماذا الجاحظ؟يقول الباحث عن ذلك: «ولا شك أن أي باحث طرحت عليه قضية مبحث الصورة في نقدنا القديم، سيعثر لدى الجاحظ على جانب من ضالته، فهو ناقد وبلاغي شغل الناس والدنيا، وترك أثراً جلياً في النقد العربي، كما أنه أثار الكثير من القضايا التي ما زالت إلى يومنا هذا ذات أهمية»، ولم يبدُ لي هذا السبب الذي أورده العناز كافياً وحده لاختيار الجاحظ لتحليل خصوصية الصورة في أعماله، فالجاحظ- مع اعترافنا بقيمته الإبداعية، وموسوعيته الثقافية – لم يسر وحده في هذا الدرب، فهناك ابن جني، وابن المعتز، وغيرهما ممن يمكن الرجوع إليهم لبحث مفهوم الصورة، بيد أننا لا ننكر أهمية الجاحظ، وربما كان اهتمام الصورة عنده من أقل ما اهتم به الباحثون، خاصة أن غالبية الباحثين كانوا يهتمون بالكيفية التي يقوم بها الجاحظ بالتصوير، أقصد بكيفية بيانه هو ذاته في صوره التي يقدمها في كتاباته، فهو صاحب كتابة لها سمتها الخاص، أما أن يبحث أحد النقاد في مفهوم الجاحظ عن التصوير فذلك أمرٌ نادر الحدوث في البحث النقدي العربي، وربما يبدو هذا مُسوّغاً أكثر للبحث عن موسوعية الجاحظ، فالمنهج المستخدم من تتبع الجذر اللغوي لمفهوم التصوير، واستقراء النصوص، وفق ما تمليه على الباحث، كلها أمور تشجع على المضي قدماً في عملية القراءة والتحليل.

وفي منهج الباحث الذي استخدمه يصل لنتائجه التي منها: «نستنتج أن الجاحظ يرى أن أهمية التصوير الشعري تظهر في الصور الجديدة التي يبدعها الشاعر للمعنى.

وهو هنا يؤسس الجانب البلاغي للصورة.

وقد نقول تبعاً لهذا الاستنتاج إن الجاحظ يعتقدُ أن هناكَ صوراً أصليةً مشتركةً بين الناس في النظر إلى المعاني تتعلقُ بالأشياء والموضوعات المختلفة، وأن هناك صوراً مُتجولةً تنتجُ عن التصوير البلاغي».

إذن استطاع العناز النظر في جوانب الصورة عند الجاحظ، عبر الفصول الموجزة التي جاءت عنونتها ما بين «الفعل اللغوي البلاغي والتصوير الخطي»، و«الوجه البياني للصورة والتصوير»، و«التصوير وأدلته البيانية»، فهذه المحاور الثلاثة هي التي قلَّبَ الباحثُ الصورةَ من خلالها، وفي كل مبحثٍ كان ينظر للجاحظ، ليس في كيفية استعماله للصورة، وإنما في طريقة استخدامهِ للجذرِ اللغوي للتصوير، فيتساوى في وقت من الأوقات مع مفهوم الإبانة والفصاحة، وأحياناً يصبح مرادفاً للنطق والمحاكاة الصوتية.

وفي ثنايا البحث يضطر الباحث إلى التعامل مع الأيديولوجيا التي تؤثر في فكر الجاحظ، أي أن مفهوم الصورة أَجْبَرَ- في تصوري- العناز على الاحتكاك بأفكاره، وبرؤيته تجاه الحياة، فيصبحُ لدينا بجوارِ البحث في مفهوم الصورة، بحثٌ آخَر في مفهوم رؤية الحياة، يقول: «يجعل الجاحظ التصوير الجيد، في نظرنا، قائماً على الوسطية في التعبير؛ حيث يأخذ بعين الاعتبار التواصل.

وقد أشرت في جانبٍ من هذا البحث إلى إلحاح الجاحظ على الاهتمام بمسألة مراعاةِ الاستعمال أثناء الكلام.

ولذلك فهو يشيرُ ضمناً في العبارة «تحولت في العيون عن مقادير صورِها» إلى عدم الإفراط في التصوير، في الاهتمام باللفظ على حساب المعنى، وإلى عدم الإفراط أيضاً في البحث عن المعاني الغريبة».

الأمرُ هنا يتجاوز البحث في مفهوم الصورة إلى البحث في مفاهيم الأفكار، وهو أمرٌ طبيعيٌّ في ظلِ موسوعية الجاحظ، بيد أنه في نهاية قراءة وتحليل هذه التجربة الجسورة التي قام بها العناز، نسأل: هل نجحَ فعلاً في التخلي عن أي إسقاطاتٍ مُسبقةٍ وجعلَ الجاحظ هو من يتحدث؟ ربما كان البعد عن ربط مفهومه للصورة عن تطبيقه لاستخدامات الصورة، أمراً قلّلَ من احتمالية وجود ضابطٍ لهذا الاستقراء، فالنصوص المختارة لكي يتحدث فيها الجاحظ مُستَخدماً لفظة «لغوية» للتصوير، كان التأويل لها يتم باستخدام التفكير المنطقي للعناز، وهو ما مثَّلَ بحد ذاتهِ «مرجعية ضابطة» في تحقيق الهدف الذي بدأ منه، وأعني الجهد الهائل والملحوظ الذي بذله الباحث في الربط المنطقي لعناصر الصورة واللغة والتأويل لدى الجاحظ عبر استقراءٍ منطقيٍّ محكم لأسس الاستعمالات السياقية للمصطلح لديه.

وقد تنبه محمد العناز إلى صعوبة الإحاطة بما وضعه لنفسه من هدفٍ في دراسته هذه، فقال في خاتمة كتابه: «كما أننا لا ندعي أننا قد حققنا كل ما كنا نريد الوصول إليه، لكننا نعتقد أننا قد طرقنا موضوعاً جديداً.

موضوعاً يفتح آفاقاً أمام البحث في التراث النقدي والبلاغي العربي من زاوية مغايرة، وما هذه الزاوية سوى التنقيب في المصطلحات البلاغية والنقدية لم تعط الأهمية التي تستحق».

يمكن الاتفاق مع محمد العناز في النتيجة الأساسية التي انتهى إليها، وهي أن كثيرا من المصطلحات النقدية والبلاغية في تراثنا العربي لا تزال بحاجة إلى إعادة قراءة بمنهج يستنطق النصوص من داخلها، بعيدا عن التقديس أو الإسقاطات المسبقة.

وتكمن قيمة هذه الدراسة، قبل نتائجها، في جرأتها على اقتحام هذا الحقل، وفي اعتمادها الاستقراء وسيلة لإعادة بناء مفهوم الصورة عند الجاحظ انطلاقا من استعمالاته هو، لا من تصورات لاحقة فُرضت عليه.

ولعل هذا ما يمنح الكتاب أهميته؛ إذ يفتح أفقا لإعادة النظر في المصطلح النقدي العربي، واستكشاف بنيته المفهومية في سياقه الثقافي والتاريخي، بما يسهم في بناء قراءة أكثر توازنا للتراث، قراءة تنبع من داخله، لا تُسقط عليه معايير جاهزة.

ومن هذه الزاوية، تمثل دراسة العناز، على تكثيفها، خطوة منهجية لافتة في مسار إعادة فحص المفاهيم البلاغية والنقدية العربية، والدفع نحو حوار أكثر عمقا بين التراث والنقد المعاصر.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك