العربية نت - أول رئيس للبرلمان السوري بعد سقوط الأسد.. تعرف على عبد الحميد العواك وكالة سبوتنيك - وكالة: الحرس الثوري الإيراني استهدف منصات "هيمارس" أمريكية في الكويت روسيا اليوم - أوليانوف: قصف محطة بوشهر الكهروذرية قد يتسبب بعواقب كارثية روسيا اليوم - عمدة موسكو: الدفاع الجوي دمر حوالي 300 مسيرة أوكرانية كانت متجهة نحو العاصمة خلال 24 ساعة قناة العالم الإيرانية - إيران تدمر منصات «هيمارس» في الكويت كانت تستعد لاستهداف أراضيها العربي الجديد - طهران: الهجمات الأميركية أجهزت على جهود خفض التوتر قناة التليفزيون العربي - باحث سياسي للتلفزيون العربي: واشنطن وطهران تعيدان رسم قواعد الردع في مضيق هرمز قناة العالم الإيرانية - إيران: واشنطن ترتكب أبشع جرائم الحرب واستمرار العدوان يلغي التزامنا بالمذكرة العربي الجديد - لقطة أربكت فيفا.. هل سقطت تقنية الكرة الذكية في الاختبار الأصعب؟ روسيا اليوم - إعلام إيراني: نحو 10 قذائف أصابت أهدافا عسكرية في جزيرة قشم جنوبي إيران (فيديو)
عامة

أن تكتب مسكونا بآخر

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة

في كتابها «أن تكتب كما لوكنت ميتا» (منشورات تكوين، ترجمة: إيمان أسعد)، تتفحص الكاتبة الأمريكية كيت زمبرينو الكتابة من حافة الموت، أو من موقعه. تدوِّن الجسد في أوهن حالاته، وتشرِّح الصداقة بما تضمره من...

في كتابها «أن تكتب كما لوكنت ميتا» (منشورات تكوين، ترجمة: إيمان أسعد)، تتفحص الكاتبة الأمريكية كيت زمبرينو الكتابة من حافة الموت، أو من موقعه.

تدوِّن الجسد في أوهن حالاته، وتشرِّح الصداقة بما تضمره من خيبات وخيانات محتملة، لكن جوهر الكتاب يكمن – من وجهة نظري- في أن تُسكَن الذات بآخر، أن تمتلئ بطيفه ويخيِّم عليها ظله.

في البدء تعلن زمبرينو، أنها لا تكون وحدها إلا في الكتابة، غير أننا سرعان ما ندرك أنها لا تنفك -على مدار صفحات العمل- تحول كتابتها إلى قاعة ضيافة تستقبل فيها كتابا آخرين للاشتباك مع أفكارهم.

نقرأ كلماتها فنكاد نبصر أطياف بودلير وفتغنشتاين وزيبالد ورولان بارت وصوفي كال وغيرهم تحوم حولها.

يمتد هذا إلى حياتها نفسها؛ فنرى في الجزء الأول من الكتاب صديقتها الافتراضية ألكس سوزوكي تعشش في ذهنها، ويخيِّم طيفها على تفاصيل عيشها.

أما البطل الأساسي لـلكتاب، المصور الفوتوغرافي والكاتب الفرنسي هيرفي غيبير، فقد جعلت منه زمبرينو ذاتا بديلة، إذ نجدها تتماهى معه كأنما تلبَّس جسدها، أو كما تصفه «هو الطيف، هو الظل الساقط، هو الصدى».

وهي تشير بذلك إلى قول غيبير إنه حين يؤلف كتابا، ثمة غالبا طيف كاتب خلفه، ظل ساقط على النص الذي يؤلِّفه.

وقد تمثَّل هذا الطيف أو الظل الساقط أو الصدى المرافق، بالنسبة له، في الكاتب النمساوي توماس بيرنهارد.

شأنها شأن هيرفي غيبير وتوماس بيرنهارد من قبله، تكتب زمبرينو من أرض المرض، ومثلهما تدمج في كتابتها اعتلال الصحة بالصداقة؛ صداقتها الافتراضية مع كاتبة طليعية تختبئ خلف اسم مستعار في فضاء الإنترنت، في مقابل صداقة غيبير مع ميشيل فوكو، وصداقة بيرنهارد مع باول فتغنشتاين، في كتابه «صداقة مع ابن شقيق فتغنشتاين» (دار ممدوح عدوان – سرد، ترجمة: سمير جريس).

نحن هنا أمام كتابة جسد، تحضر فيها فحوصات الدم والتشخيصات الطبية والأعراض المرضية وسوائل الجسد وتقيحاته.

وإذا كان غيبير قد كتب يوما أنه دمج بنية عمله في كتابه بجسده وبات يحملها معه في كل مكان، فإن زمبرينو فعلت الشيء عينه؛ إذ توقفت أمام الأعراض المرضية والتفاصيل التي يتجنب آخرون الخوض فيها ودمجتها في كتابتها، كأنما تحوك الجسد بالكلمات، وتمزج خلاياه الحية بحروفها، لينطبق عليها ما وصفت به غيبير: «تقرأ روايته، وتظن أنك تقرأ كتابا، لكنك تقرأ جسدا منهكا».

وغير بعيد عن هذا إشارة كيت زمبرينو إلى أن غيبير في كتابه الأول عن مرضه، كان مذهولا بالفيروس بصفته سياقا سرديا.

وحين تبحث على الإنترنت عن الهربس النطاقي -الذي يسببه الفيروس نفسه المتسبب في الإصابة بالجديري لدى الأطفال- تكتشف أنه يعيش في الجسد، في حالة سبات، إلى أن ينشط ثانية في الأعصاب، فيبدو لها كأن دورته سياق سردي للصدمات النفسية الكامنة داخلها في سبات.

وتعترف زمبرينو في موضع آخر، بأنها في غمرة أي حالة طوارئ أو أزمة صحية يمر بها جسدها، تجد نفسها دوما تعاود العمل على كتابها عن غيبير، كأن الأزمات الصحية هي ما يستدعي كتابتها عن هذا الفرنسي وما دوَّنه عن مرضه.

وبصفتها امرأة، تأملت زمبرينو الحمل وكيف يعيد تشكيل الجسد الأنثوي، وما يتركه عليه من آثار قد تصل إلى حد التشوه.

واللافت للانتباه أنها قدمت حملها باعتباره مرضا، مشددة على أن أمراض النساء عادة ما تُقابَل بالتجاهل، وتُترَك فيها المرأة مستنزَفة منهكة تعاني، من دون مساعدة ملائمة.

يخطر لي هنا أن تجربة الحمل ينطبق عليها تماما عنوان: «أن تكتب مسكونا بآخر»! وأن المرض بدوره يسعنا النظر إليه كآخر يقيم في جسد المريض ويقتات عليه من الداخل.

«الإنهاك والغثيان سلبا شخصيتي مني»، هكذا تصف كيت زمبرينو أثر الحمل عليها، لكن أليس هذا ما يفعله المرض عموما؟ إنه يسلب منا هويتنا ويضعنا أمام وجه لم نعرفه من قبل لذواتنا، محيلا إيانا إلى «آخر».

أو كما ذكر توماس بيرنهارد، في كتابه عن صداقته مع باول فتنغشتاين: المرضى (بمرض عضال) يصبحون قاصرين بسبب مرضهم.

فوفقا له، يستسلم ذوي الأمراض لأقدارهم سريعا، ويعتادون دورهم في الحياة، دور المتواضع، الخافت الصوت، المراعي دوما غيره، لأن هذا الدور وحده هو ما يهون من حالة المرض الدائم، أما الجموح والوقاحة والعصيان فتضعف البدن ولا تجلب في نهاية المطاف إلا الموت.

ورغم أن هيرفي غيبير اتخذ من توماس بيرنهارد طيفا يسكنه وظلا ساقطا على حياته، فإن رؤية كل منهما للمرض وتفاعله معه تختلف جذريا؛ فكتابة غيبير -كما تصفها زمبرينو- معادية للمجتمع وطفيلية ورجعية وغالبا معادية للإنسانية بما تحتويه من لمحات عنصرية وعدم اكتراث بمعاناة الآخرين وتجنب تسمية ممارسات على الاستغلال الجنسي والبيدوفيليا بأسمائها الصريحة.

أما بيرنهارد، فرغم موقفه الناقد بشدة لمجتمعه، بل وربما لعصره بأكمله، تظل كتابته مشغولة بالمعنى، والمرض – في عُرفه وكما تجلى في أعماله- يمنح المريض صفاء الرؤية، فيرى الأشياء على حقيقتها، نازعا عنها غمامة الوهم، ومحدقا في القاسي والمريع، من دون إجفال، ومتحليا بسخرية مُرَّة من كل مظاهر الرياء والنفاق؛ لذا، تبدو كوميديا بيرنهارد السوداء نتيجة طبيعية لهذا الموقف.

يتجلى الموت في كتابة بيرنهارد كهواء ثقيل يغلف وجود الفرد، ويلون رؤيته للعالم.

ويغدو المرض لديه مدرسة للتعلم؛ فقد استمد من مرضى الرئة الحقائق الأساسية عن الحياة والوجود.

واتخذ من الجنون ومرض الرئة نبعا لوجوده، ومحورا لحياته بأكملها، مستلهما من رحم المعاناة تلك الشرارة التي نُسميها «الفن».

هكذا حوَّل توماس بيرنهارد المرض، بما يكتنفه من عزلة ووعي مفرط وصفاء رؤية وانهيار العلاقة بالعالم، إلى حالة وجودية.

فبما أن الجسد هو وسيلتنا للحياة في هذا العالم، فمِن الطبيعي أن يغير اعتلال الصحة علاقتنا بالزمان والمكان والآخرين.

وعلى هذا النحو، تغدو الكتابة من أرض المرض، في بعد من أبعادها، إقامة في المساحة الشاسعة التي تعزل المرضى عن الأصحاء.

وإلى جانب توماس بيرنهارد، ثمة طيف آخر يهيمن على كتاب كيت زمبرينو، وهو ميشيل فوكو؛ ذلك الصديق المقرب الذي عرَّاه هيرفي غيبير وفضح وجهه المظلم في كتاباته.

وتتضح بصمة فوكو بداية من الغلاف المزين بصورته، والعنوان المستلهم من فكرته الداعية إلى أن يتلبَّس المؤلف هيئة رجل ميت، كما تجلت في مقاله «ما هو المؤلف؟ ».

ما إن يغيب طيف صاحب «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي» عن صفحة، حتى يطل مجددا في أخرى، عبر إحالة إليه، أو فكرة مستقاة من أعماله، أو واقعة تجمعه بغيبير كما جمع بينهما مرض الإيدز والانخراط في ممارسات إيروتيكية غير مسؤولة قادت إلى إصابة كليهما بالإيدز وربما تسببت في نقله إلى آخرين.

ويتبدى تأثير فوكو الأكبر في هيمنة رؤيته للتعالق بين المرض والكتابة على فضاء كتاب كيت زمبرينو.

في النهاية، إذا كان هيرفي غيبير يشير إلى تخوم اللايقين باعتبارها فضاء مألوفا للمرضى في كل مكان، فإنني أراها مألوفة لكل الكُتَّاب كذلك، فأن تكتب يعني أن تقيم في تخوم اللايقين كما يفعل المرضى، مع فارق أن حُمَّى الكتابة في هذه الحالة هي السم والترياق معا.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك