باريس: سواء كان يغطي الجسم بالكامل أو يغطي الحد الأدنى منه، سواء كان الجزء الذي يغطي الصدر بدون حمالات (باندو)، أو ذو تغطية بسيطة من الخلف (تشيكي)، سواء كان برازيليا أو مايكرو… تبدو أسماء تصاميم البيكيني الحديثة وكأنها لغة خاصة في حد ذاتها.
وعادة ما تعني جميعها تقريبا في جوهرها نفس المعنى – وهو التغطية الأقل للجسد.
وقد اتسع نطاق الأمر الذي كان قد تسبب في إثارة حالة من الغضب الواسع في عام 1946، ليشمل طيفا واسعا يمتد إلى أقصى حدود ما يمكن تسميته بالتغطية.
فبعض التصاميم اليوم لا تتعدى كونها بضعة خيوط موضوعة بعناية.
وفي الواقع، صار السؤال بشأن قدر القماش المستخدم بصورة فعلية من أجل صنع البيكيني، أمرا شبه قابل للقياس.
وبعد ثمانين عاما من ابتكاره، يظهر سؤال جديد: متى يتوقف البكيني عن كونه بكيني؟حتى الاسم يعد محل إثارة للجدل.
لقد بدأ كل شيء في باريس، وتحديدا في الخامس من شهر تموز/ يوليو عام 1946، عندما قدم المهندس لويس ريارد، لباس بحر مكون من قطعتين، في عرض أزياء “بيسين موليتور”، حيث كان يتسم بقدر أكبر من التعري يفوق أي لباس بحر سابق.
ولم تكن هناك أي عارضة أزياء محترفة مستعدة لارتدائه- ولا واحدة- حيث اعتبر التصميم آنذاك جريئا جدا، وكاشفا للغاية، ومحفوفا بالمخاطر.
وفي نهاية الأمر، وافقت راقصة استعراضية على ارتدائه في عرض أزياء.
وقد تم اختيار اسم “بيكيني” عن قصد، وذلك نسبة إلى حلقية بيكيني (وهي شعاب مرجانية وحلقة من الجزر الصغيرة التي تقع في المحيط الهادئ، وتحديدا ضمن جزر مارشال)، حيث أجرت الولايات المتحدة تجارب للأسلحة النووية مؤخرا.
وقد كانت الرسالة واضحة بدون أي لبس: فالمقصود من ملابس البحر هذه هو أن تكون مثيرة للجدل.
واعتبر البيكيني بالفعل غير لائق؛ وذلك لأن تصميمه الجريء الذي يكشف الكثير من جسد المرأة جعل منه غير مقبول تماما بالنسبة للكثيرين.
وما يبدو اليوم أمرا عاديا جدا كان يعد مخالفا للمعايير الأخلاقية التي كانت منتشرة في ذلك الوقت.
لقد تشكلت حقبتا أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي بعد الحرب العالمية الثانية، من خلال القيم المحافظة في معظم أنحاء العالم الغربي.
وكانت الأنوثة ترتبط بالحشمة والوقار والفصل التام بينها وبين الإثارة.
وكان من المفترض أن يغطي لباس البحر الجسم، وليس أن يبرز مفاتنه.
وقد كسر البيكيني هذه القاعدة بصورة علنية، حيث كان يكشف في الأماكن العامة عن البطن والظهر والأفخاذ – وهي مناطق من الجسد كانت تخفيها النساء إلى حد كبير في الماضي.
ونتيجة لذلك، تم حظر ارتداء البيكيني في البداية في الكثير من الأماكن، أو تم نبذه اجتماعيا.
وفي ألمانيا، كان البيكيني يخالف اللوائح التي تتبعها المسابح في العديد من المرافق الرياضية المفتوحة، كما كان أحيانا يتم حظره على الشواطئ في فرنسا.
ثم بدأت المواقف تتغير في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
فقد ساهمت الثورة الجنسية وثقافة الشباب والثقافة الشعبية والأفكار الجديدة بشأن الحرية الشخصية، في إخراج البيكيني من دائرة الجدل الأخلاقي، بصورة تدريجية.
وصار ما كان ينظر إليه من قبل على أنه “إثارة”، رمزا للحداثة وحرية التصرف في الجسد.
كما ساعدت الأفلام وصور الأزياء، بالإضافة إلى الإعلانات لاحقا، في تحويل الأمر “الفاضح” إلى طبيعي.
ومنذ ذلك الحين، لم يتحول البيكيني إلى أمر طبيعي فحسب، بل صار أكثر تنوعا، وصارت تصميماته أكثر جرأة، وتغطيته للجسد أقل، والتنوعات أكثر فجاجة.
وتتنوع تصميمات البيكيني اليوم بين القطعتين الكلاسيكيتين، والتصاميم الصغيرة للغاية.
وفي الوقت نفسه، تغيرت الساحة.
حيث لا يتم على وسائل التواصل الاجتماعي استعراض الجسم فحسب، بل أن هناك تنسيقا وتقييما باستمرار.
وتظهر هذه التطورات مدى التغير الكبير الذي طرأ على ملابس البحر على مدار عقود، وتحولها من ملابس عملية، إلى تعبير متزايد عن الجسد، يميل إلى قدر أكبر من التعري والاستعراض.
ولم يكن البيكيني أبدا مجرد قطعة من القماش، بل كان ساحة لاختبار الحرية وحق المرأة في التحكم بجسدها.
وبعد ثمانين عاما من ابتكاره، لم يعد الأمر يتعلق بما إذا كان البيكيني يكشف الكثير من الجسد، بل يتعلق باستخدام أقل قدر ممكن من القماش اللازم ليطلق عليه اسم “بيكيني”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك