فقيد الوطن.
قائد قلما يجود التاريخ بمثله- مهما كتبنا لن نستطيع حصر إنجازات الأمير الوالد- حمد بن خليفة القائد الذي نصر فلسطين وانتصر للعرب- في عهده تعلمنا أن المستحيل غير موجود تحت سماء قطر- الأمير الوالد علمنا كيف نحول الحلم إلى حقيقة والطموح إلى إنجاز مبهر- برؤيته الحكيمة صارت قطر محط اهتمام العالم ونقطة استقطاب للقادة- الفقيد الكبير أرسى ركائز القوة الناعمة لقطر حتى أصبحت الأكثر تأثيرا- القائد الذي أعطى شعبه بلا حدود وأعطى وطنه المجد والاستقرار والازدهار- نهجه الحكيم جعل قطر ساحة للتلاقي والحوار ودبلوماسية الوساطة النزيهة- التزامه بنهج الوساطة لم يثنه عن الانحياز لقضايا الشعوب العادلة- مواقفه الساطعة من فلسطين تكتب بأحرف من ذهب في صفحات التاريخلم يكن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، قائدا فقط أو زعيما ورئيسا وحسب، بل كان كل ذلك، ففي شخصه اجتمعت كل صفات القيادة الاستثنائية وهو بالنسبة لأهل قطر الأب والأخ والصديق والمربي والمعلم، هو القائد الذي قاد قطر في مرحلة انتقالية من دولة صغيرة إلى دولة عصرية متطورة تتبوأ مكانة مرموقة إقليميا ودوليا وتتصدر مختلف المؤشرات والتصنيفات.
عندما يكون الحدث غياب فقيد الوطن الكبير تختلط مشاعر الحزن والألم بلوعة الفراق، وتتراكم الأفكار وتتسابق المعاني لرثاء قامة تاريخية يندر أن تتكرر، فالحديث عن خصاله وأعماله وإنجازاته وعطائه وأثره الطيب لا تكفيه كتب ومجلدات لوفاء حقه؛ لما قدمه وأعطاه بصدق وإخلاص للشعب والوطن، وهو عطاء لم يعطه أحد قبله.
لقد بنى الأمير الوالد نهضة قطر الحديثة وأرسى قواعد بنيانها وصنع مجدها وازدهارها، وكانت فترة حكمه على قصر مدتها الزمنية والتي لا تتجاوز العقدين من الزمن محطة تاريخية ونقطة تحول في تاريخ قطر، بل كانت في مجملها تاريخا قائما بذاته، انطلق سموه من البدايات المتواضعة لبناء الدولة بعزيمة صلبة وإرادة لا تعرف المستحيل.
كان الأمير الوالد، رحمه الله، يعمل على أكثر من قطاع في آن واحد وكأنه يسابق الزمن لإنجاز ما يطمح إلى تحقيقه في بناء قطر الحديثة وانطلق من أولوية بناء الإنسان الذي هو أثمن ثروات الوطن، معتبرا أن أساس بناء الإنسان هو التعليم، فانطلقت في عهده نهضة تعليمية شاملة بدأت مع تأسيس مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع وامتدت لتشمل مختلف مراحل التعليم من الروض والمراحل الابتدائية إلى التعليم العالي وصولا إلى افتتاح أحدث المنشآت التعليمية وأبرزها المدينة التعليمية التي تضم أعرق الجامعات العالمية حتى غدت الدوحة وجهة تعليمية يتهافت إليها طلبة العلم من دول العالم.
مشروع سموه في الاستثمار بالإنسان لم ينحصر في التعليم بل أيضا في الصحة انطلقت خطة عمل تقوم على أن الرعاية الصحية حق من حقوق الإنسان ولابد من توفير أفضل خدمات الرعاية الصحية لكل من يعيش على أرض قطر فازدهر في عهده القطاع الصحي وصار يضاهي وينافس خدمات الدول الأوروبية.
وإلى جانب التعليم والصحة كان هاجسه الكلمة الحرة والإعلام الحر فكانت أولى ثمار عهده الغاء وزارة الاعلام ودورها الرقابي المقيد لحرية الرأي وتأسيس قناة الجزيرة التي حررت الاعلام العربي من قيود التعبير من منطلق الرأي والرأي الآخر، وصارت شبكة عالمية ومنارة إعلامية تتابعها الكرة الارضية من مشرقها الى مغربها.
كان طموح فقيد الوطن ان يبني دولة عصرية بكل المقومات والركائز ولذلك بادر الى تشكيل لجنة لإعداد الدستور عام 2003 ومن ثم طرحه على الاستفتاء عام 2004 في اول استفتاء تشهده قطر في تاريخها وذلك ايمانا منه بأهمية مشاركة الشعب في بناء الدولة، وبعد أن اطمأن الى انطلاق دولة الدستور والقانون والمؤسسات ورسوخ أركانها، سعى بكل جهد وطموح الى بناء قطر المستقبل من خلال إطلاق رؤية قطر الوطنية 2030.
والتي جعلت من قطر دولة عصرية تضاهي أعرق الدولة وأكثرها حداثة.
وبما أن الأمن والأمان أساس البنيان فقد أدرك الأمير الوالد منذ كان وليا للعهد أن استقرار الدولة وحمايتها لابد ان يستند الى قوات مسلحة مجهزة مدربة منظمة قادرة على تحمل المسؤولية ولذلك عمل على بناء القوات المسلحة بأفضل مقومات التدريب والتأهيل والتجهيز حتى أصبح حماة الوطن صقورا وفرسانا تحمي البلاد.
أينما وليت وجهك في الدوحة ستجد معلما وانجازا صنعه الأمير الوالد في مختلف القطاعات والمجالات، في عهده تعلمنا ان المستحيل غير موجود تحت سماء قطر وعلى ارضها، فالحلم كان يتحول الى حقيقة والطموح كان يترجم الى انجاز يبهر العالم، في عهده كنا ننام على انجاز لنستيقظ على انجاز اكبر وأكثر أهمية، حتى صارت قطر محط اهتمام العالم ونقطة استقطاب لزعماء العالم.
في مسيرة سمو الأمير الوالد برز اهتمامه بالشباب من منطلق ايمانه بقدراتهم وبأن أجيال اليوم قادة الغد وكان سباقا في الاستراتيجيات التي تبني الكوادر الوطنية وتطلق الكفاءات الشبابية، كما كان حريصا على الاهتمام بكل فئات المجتمع وخصوصا المرأة التي تبوأت في عهده أعلى المناصب وتسلمت أول حقيبة وزارية.
كما أنه اشتهر بقربه من الناس وتواصله الدائم مع أبناء مجتمعه الى درجة ان الجميع يحدثونك كيف استوقفهم وكيف تحدث معهم واطمأن عليهم، مما جعله في مرتبة عالية في قلوب ووجدان اهل قطر.
ومن خلال نظرته الثاقبة ورؤيته الحكيمة ادرك الأمير الوالد أهمية الرياضة للشباب ودور الرياضة في حياة الشعوب والمجتمعات ولذلك بنى منظومة رياضية متكاملة، وكان أول زعيم عربي يبادر الى المنافسة على استضافة مونديال قطر، وكان الجميع يشكك بإمكانية الوصول الى هذا الحلم لكنه نجح في الرهان وفازت قطر باستضافة مونديال2022 لأول مرة في تاريخ الشرق الأوسط.
وفي عهده شهدت قطر اعظم مشاريع الطاقة والصناعة وأصبحت قطر من اكبر مصدري الغاز المسال في العالم وانطلقت النهضة العمرانية والمدن الحديثة التي تضاهي المدن العالمية، كان يبني ويعمل بلا كلل وملل لأجل توفير الحياة الكريمة لشعبه حتى اصبح المواطن القطري نموذجا يقتدى به.
وكانت ثمار ذلك الجهد تصدر قطر المؤشرات والتصنيفات العالمية في جودة الحياة ورفاهيتها.
ولعل ما يميز نهج سمو الأمير الوالد أنه قاد سياسة التوازن في كل شيء فبقدر ما اهتم ببناء المجتمع والدولة الحديثة بقدر ما كان حريصا على العطاء لأمته العربية وكانت أيادي قطر البيضاء تغطي مساحة العالم بالأعمال الإنسانية والاغاثية.
واستطاع أن يصنع نهجا فريدا في السياسة الخارجية يقوم على الالتزام بقضايا الامتين العربية والإسلامية وعلى رأسها قضية فلسطين، وفي الوقت نفسه كان منفتحا على العالم من منطلق ان الحوار افضل من النزاع؛ مما ممكنه من جعل الدوحة عاصمة للحوار والتلاقي بين مختلف الدول.
حتى ذاعت شهرة قطر كوسيط نزيه وصارت قطر جزءا من الحل في أي نزاع وليست جزءا من المشكلة او سببا لها.
مما مكنه من جعل قطر ذات قدرة على التأثير بفضل القوة الناعمة التي انفردت بها قطر.
هذا النجاح الكبير في دور الوسيط لم يؤثر يوما على مواقف الأمير الوالد بل زاده ايمانا والتزاما بنصرة الشعوب والقضايا المحقة والعادلة، ولذلك كان انحيازه لفلسطين وقضيتها العادلة ولشعبها غير خاضع للمساومات والتسويات.
وقد كانت مواقفه الساطعة تجاه فلسطين تسطر وتكتب بأحرف من ذهب في صفحات التاريخ العربي، ولم يدع مناسبة لدعم فلسطين إلا وكان سباقا بالمبادرة والسعي لأجلها، وكان الفقيد الكبير الزعيم العربي الوحيد الذي اتصل هاتفيا مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات عندما حاصرته الدبابات الإسرائيلية في المقاطعة عام 2002 بما يعكس التزامه بالقضية الفلسطينية وإيمانه بأنها تمثل قلب الأمة العربية، وفي هذا السياق نذكر سعيه الدؤوب لاستضافة قمة عربية لنصرة غزة في الدوحة، وكيف قام عام 2012 بكسر الحصار على غزة وانفرد بكونه الزعيم العربي الوحيد الذي قام بزيارة ميدانية الى قطاع غزة مع تقديم دعم سياسي ومادي شمل مشاريع تقدر بحوالي 400 مليون دولار.
وكذلك كان لفقيد الوطن صاحب السمو الأمير الوالد وقفة خالدة في تاريخ لبنان وذاكرة اللبنانيين، حيث قاد سياسة لم يسبق ان عرفها لبنان في تعامله مع أي دولة، فقد كان معظم الرؤساء والقادة يتعاملون مع لبنان من منطلق اجنداتهم ومصالحهم، بينما كان وحده من يتعامل مع لبنان كوطن ودولة وليس مع هذا الفريق او ذاك الفريق، كان يقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف والأحزاب والطوائف وكان يصر على ان مصلحة لبنان في اجتماع اللبنانيين وتوحدهم وليس في تفرقهم وتنازعهم، وكان اول زعيم عربي يزور الضاحية الجنوبية لبيروت التي أصيبت بدمار حرب 2006.
وكان صاحب الأيادي البيضاء في إعادة اعمار ما دمرته إسرائيل من قرى في جنوب لبنان، حتى صار شعار اللبنانيون الدائم شكرا قطر.
أولوية سموه كانت دوما الانتصار لقضايا الشعوب العربية ودعمها من منطلق إيمانه بأن الأمة العربية جسد واحد اذا اشتكى منها عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.
الأمير الوالد كان قامة بحجم وطن وقائدا قلما يجود التاريخ بمثله فهو شخصية موسوعية في حجم عطائه وإنجازاته، ويصعب كثيرا اختزاله في مقال، فنحن نذكر ملامح بسيطة من سيرته العطرة ومسيرته الحافلة بكل معاني العطاء، ما كتبناه هو القليل القليل وسيبقى أمامنا الكثير الكثير لنكتبه ونوثقه عن قائد سكن القلوب وأحبه شعبه مثلما أحبته الشعوب العربية والإسلامية.
رحم الله فقيدنا الكبير ووالدنا.
عزاؤنا الوحيد أن من خلف رجالا لم يمت وقد ترك لنا الأمير الوالد رجالا وقادة وكان لنا في حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، حفظه الله ورعاه، خير خلف لخير سلف حمل الراية بجدارة واقتدار ويكمل مسيرة الوطن بكل تفان وإخلاص.
إننا نعاهد فقيد الوطن ونعاهد حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى أن نحفظ الوصية بالثبات على الحق مهما تبدلت الأيام والأحوال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك