روّاد النهضة العربية كثيرون، ويمكن تناولهم عبر عددٍ من المعايير التي تختلف من كاتبٍ لآخر ومن مجالٍ معينٍ لمجالٍ مختلفٍ، ومن ذلك أن البعض عَدّوا «دعوة التوحيد» في السعودية أو «الوهابية»، كما كان يطلق عليها خصومها، و«المهدوية» في السودان و«السنوسية» في ليبيا، تياراتٍ مهمةٍ في التمهيد للنهضة العربية، وهناك من التفت إلى مشروع محمد علي باشا النهضوي سياسياً، وهناك من اتجه لرصد الرموز الفكرية والثقافية المعبرة عن هؤلاء الروّاد.
كتبَ في الإشارة للتيارات السابقة، الوهابية والمهدوية والسنوسية، كتّابٌ مختلفون، منهم على سبيل المثال محمد عابد الجابري من جهةٍ، ومحمد عمارة من جهةٍ مقابلة، أما الكتابة عن الرموز فهي قد اختلفت زماناً ومكاناً بحسب كل راصدٍ وهدفه وغايته، فبينما كتب كثيرون عن رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي، فقد اختار البعض الآخر الكتابة عن جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وسنذكر هنا دون إحصاء رموزاً لأولئك الروّاد.
رفاعة رافع الطهطاوي في مصر هو رائد التنوير، الذي أسّس مدرسة الألسن، وأدخل مفاهيم الحرية والتعليم الحديث للعالم العربي، وأسّس أول صحيفة عربيةٍ، وهي صحيفة «الوقائع»، وكان إمام البعثة الأولى التي بعثها محمد علي باشا إلى فرنسا، وكذلك بطرس البستاني، الذي أسّس أول مدرسة وطنية حديثة، وصاحب أول موسوعةٍ عربيةٍ شاملةٍ سمّاها «دائرة المعارف» وصدرت في مجلداتٍ ضخمةٍ، ومثله، أحمد فارس الشدياق الصحفي والمفكر الموسوعي، الذي أسّس صحيفة «الجوائب» وأثرى اللغة والأدب.
اعتنى روّاد النهضة العربية الأوائل بالتفتيش عن المستقبل والسعي لإحياء الأمة والمجتمعات والدول على كافة المستويات السياسية والثقافية والاجتماعية والتعليمية والعلمية، وبقي لهم تلاميذ أوفياء واصلوا المسيرة وأكملوا الطريق، ولكن تبع هؤلاء أيضاً رموزٌ آخرون، وإنْ سمّاهم أتباعهم بروّاد للنهضة، فهم كانوا كذلك من وجهٍ، وخصوم ذلك من وجهٍ آخر، وهو التيار الذي مثّله جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ومن بعهدهما رشيد رضا وغيره، ومن ثم ورث هذا التيار حسن البنا وجماعة «الإخوان».
أسانيد الواقع الثقافية في العصر الحديث واضحة التجلي وظاهرة المصادر، ويمكن التفريق بين تعقيداتها بسهولة بحسب ما تطورت إليه، وأوصلت تياراتٍ وجماعاتٍ وتنظيماتٍ اعتقدت أن النموذج الذي ينبغي التفتيش عنه يكمن في الماضي، فعلينا العودة للتاريخ لاكتشافه وقيادة الدولة والأمة والمجتمع من خلاله، باعتبار النهضة والتقدم العلمي والفلسفي الغربي لا يمثّلان إلا عدواً استعمارياً لا ينبغي أن نستفيد منه في أي شيءٍ.
أما تيار النهضة العربية الحديثة، فقد تشتّت بعد إنجازاتٍ كبرى ورموزٍ تستحق الإشادة فعلاً، بحيث ذهبت أيدي سبأ، فاتّجه بعضها لطروحات القومية العربية، ناصريةً كانت أم «بعثيةً»، وإلى مناكفاتٍ تراثيةٍ في طروحاتٍ تقصد إلى التشغيب والتحدي أكثر منها سعياً إلى التنوير والنهضة، وبالمقابل فقد اتجه التيار الإسلاموي بعد حسن البنّا إلى سيد قطب والتطرف والتشدد، وهو ما ورثه تلاميذه من مؤسّسي جماعات الإرهاب الحديث، مثل تنظيم «الجهاد» وتنظيم «الفنية العسكرية» وجماعة «التكفير والهجرة»، وورثها جميعاً تنظيم «القاعدة» ومن بعده تنظيم «داعش».
أخيراً، فهذا تلخيص أرجو ألا يكون مخلِّاً لمسيرة تتجاوز القرن من الزمان في صناعة الهراء العربي.
بعيداً عن التاريخ، فقد كان دورهم منذ عصر النهضة العربي كبيراً وحافلاً، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فقط كان دورهم في خدمة العربية مهماً الشدياق مثلاً، وفي التأريخ للتراث العربي «أنستانس ماري الكرملي» مثلاً، وفي الثقافة جورجي زيدان، وفي القومية ساطع الحصري، وفي الإعلام «الأخوان تقلا»، وغيرهم الكثير من الأسماء والرموز.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك