العلم الإلكترونية - حفصة الشادلي (صحافية متدربة)24 ساعة فقط تفصلنا عن صافرة بداية مواجهة نارية بين إسبانيا وفرنسا، لكن الإثارة الحقيقية لم تعد محصورة في خطط المدربين أو تحركات المهاجمين داخل المستطيل الأخضر، بل انتقلت بالكامل إلى أروقة الدبلوماسية وكواليس السياسة بين باريس ومدريد، إثر حرب باردة أشعلتها تصريحات غير متوقعة.
تصريحات" راخوي".
شرارة الأزمة وسجال الهويةشرارة الأزمة انطلقت من مدريد، وتحديدا على لسان رئيس الوزراء الإسباني السابق" ماريانو راخوي"، الذي خرج بتصريحات انتقد فيها بوضوح التركيبة الديمغرافية للمنتخب الفرنسي، مشيراً إلى الأصول الإفريقية لغالبية لاعبيه، واصفاً المواجهة تهكماً بأنها تجري بين فريقين إفريقيين.
هذا الكلام لم يمر مرور الكرام في باريس، إذ تحركت المؤسسة الدبلوماسية الفرنسية فورا وأصدر قصر" الإليزيه" بيانا ندد فيه بشدة بهذه التصريحات، واصفاً إياها بالـعنصرية والمنافية تماماً لقيم الرياضة والعيش المشترك في القارة الأوروبية.
التجانس التقليدي في مواجهة المواطنة الدستوريةلكن ما وراء الكواليس أعمق بكثير من مجرد تجاذب فكري طارئ، فالتصريحات فتحت الباب على صراع فكري قديم متجدد حول مفهوم الهوية في أوروبا، فمن جهة، يدافع تيار" راخوي" المحافظ عن رؤية تقليدية ترى أن الدولة الوطنية يجب أن تقوم على تجانس عرقي وثقافي كلاسيكي، معتبراً التغيير الحاصل في تشكيلة الديوك مؤشرا على تحولات ديمغرافية مقلقة.
وفي المقابل، انتفضت باريس للدفاع عن نموذجها الجمهوري القائم على" المواطنة الدستورية"، وهي الفلسفة السياسية التي تعتقد أن الفرنسي هو من يؤمن بقيم الجمهورية وقوانينها، بغض النظر عن لونه أو أصوله الجغرافية، وبالتالي فإن هذا التنوع داخل المنتخب هو مصدر فخر وقوة للجدارة الفرنسية.
رمزية 14 يوليوز.
تقاطع الرياضة بإرث الباستيلوما يزيد الطين بلة، ويمنح هذه الموقعة شحنة سياسية وتاريخية استثنائية هو توقيتها بالذات، إذ ستقام المباراة تزامنا مع تاريخ 14 يوليوز، وهو العيد الوطني الفرنسي الذي يخلد ذكرى الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789، وتحديدا حدث اقتحام سجن" الباستيل" الذي كان رمزاً تاريخياً لسطوة الحكم المطلق والاستبداد.
وهنا تتقاطع الرياضة بالتاريخ بشكل دراماتيكي؛ ففرنسا التي لطالما قدمت نفسها للعالم بصفتها مهد الثورة وحقوق الإنسان والحريات في أوروبا، تجد نفسها في هذا اليوم تحديداً مطالبة بالدفاع عن إرثها القيمي أمام جيرانها.
لذلك، ترى الأوساط السياسية في باريس أن الفوز في هذا التوقيت بالذات، وبتشكيلة متنوعة الأعراق، سيكون بمثابة الرد العملي والأقوى على كل الخطابات المحافظة واليمينية التي تشكك في نجاح النموذج الاجتماعي الفرنسي.
المستطيل الأخضر مرآة لواقع القارة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك