تمر اليوم ذكرى رحيل عباس حلمي الأول، والي مصر، الذي قُتل داخل قصره بمدينة بنها في 13 يوليو عام 1854، في واحدة من أكثر الوقائع غموضًا في تاريخ الأسرة العلوية.
ورغم اتفاق المؤرخين على أنه مات مقتولًا، فإن هوية القاتل والدوافع الحقيقية وراء الجريمة ظلت محل جدل حتى اليوم، لتبقى القضية واحدة من أشهر ألغاز القصور في تاريخ مصر الحديث.
تولى عباس حلمي الأول حكم مصر عام 1848 خلفًا لعمه إبراهيم باشا، واتخذ منذ بداية حكمه نهجًا مغايرًا لسياسات جده محمد علي باشا.
فبحسب كتاب" تاريخ مصر من الفتح العثماني إلى قبيل الوقت الحاضر" لعمر الإسكندري وسليم حسن، ألغى كثيرًا من المشروعات التي أنشأها محمد علي، فخفض عدد الجيش إلى نحو تسعة آلاف جندي، وأغلق عددًا من المدارس والمصانع، واستغنى عن عدد كبير من الخبراء الأوروبيين، كما أظهر ميلًا واضحًا للأنظمة والعادات العثمانية.
وفي المقابل، عُرف عباس بموقفه الرافض لتزايد النفوذ الأجنبي داخل مصر، كما دخل في خلافات مع الباب العالي، وسعى إلى تأمين ولاية العهد لابنه، وهي عوامل دفعت بعض المؤرخين إلى الاعتقاد بأن مقتله لم يكن حادثًا عاديًا، وإنما جزء من صراع سياسي داخل الأسرة الحاكمة وخارجها.
الرواية الأولى.
انتقام المماليكتعد الرواية التي أوردها إسماعيل باشا سرهنك في كتاب" حقائق الأخبار عن دول البحار" من أكثر الروايات تداولًا.
ووفقًا لها، كان عباس يحيط نفسه بعدد من المماليك الذين منحهم رتبًا ومكانة كبيرة، إلا أن خلافًا وقع بينهم وبين كبير غلمانه خليل درويش بك، الذي اشتكاهم إلى الوالي، فأمر بجلدهم وتجريدهم من رتبهم وإرسالهم للعمل في الإسطبلات.
ورغم أن عباس عفا عنهم لاحقًا وأعادهم إلى مناصبهم، فإنهم – بحسب الرواية – أخفوا رغبتهم في الانتقام، وتآمروا مع اثنين من خدم القصر هما عمر وصفي وشاكر حسين، واستغلوا نوبة حراستهم الليلية، فدخلوا على الوالي وهو نائم في قصره ببنها وقتلوه، ثم أوعزوا إلى الحراس بالفرار.
الرواية الثانية.
مؤامرة من داخل الأسرةأما مدام أولمب إدوار، صاحبة كتاب" كشف الستار عن أسرار مصر"، فتقدم رواية أكثر إثارة، إذ تنسب عملية الاغتيال إلى الأميرة نازلي هانم، عمة عباس حلمي الأول.
وتذكر الرواية أن الأميرة أرسلت مملوكين من أتباعها من الآستانة، وطلبت منهما عرض نفسيهما للبيع في سوق الرقيق بالقاهرة، حتى يشتريهما عباس ويضمهما إلى خدمه.
وبالفعل، أُعجب بهما مندوب الوالي، ثم نالا ثقته حتى أصبحا من حراسه الشخصيين، وما إن استغرق في النوم حتى انقضا عليه وقتلاه، قبل أن يهربا إلى الآستانة للحصول على المكافأة التي وُعدا بها.
ظهرت أيضًا رواية ثالثة تزعم أن عباس حلمي الأول توفي نتيجة إصابته بنوبات صرع في أيامه الأخيرة، إلا أن معظم المؤرخين يعدونها أضعف الروايات، لأنها تتعارض مع المصادر التاريخية التي تؤكد وقوع جريمة قتل داخل القصر.
ورغم مرور أكثر من 170 عامًا على الحادث، لا يزال مقتل عباس حلمي الأول يحيطه الغموض.
فالروايات تتباين بين انتقام خدمه، أو مؤامرة دبرها أفراد من الأسرة الحاكمة، أو صراع سياسي ارتبط بمواقفه من النفوذ الأجنبي والدولة العثمانية.
وبين هذه التفسيرات المختلفة، يبقى اغتياله واحدًا من أشهر الألغاز السياسية في تاريخ مصر الحديث، دون دليل قاطع يحسم حقيقة ما جرى داخل قصر بنها في تلك الليلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك