رغم أن جماعة الإخوان رفعت منذ تأسيسها شعارات الإصلاح والدعوة، فإنها أولت الشباب مكانة محورية داخل بنيتها التنظيمية، إدراكًا منهم بأن فئة الشباب تمتلك الحماس والطاقة والاستعداد للانخراط في المشروعات الأيديولوجية طويلة المدى.
وقد اعتمدت الجماعة على استقطاب الطلاب والشباب في مراحل مبكرة من أعمارهم، مستفيدة من قابلية هذه المرحلة للتأثر بالأفكار والشعارات التعبوية، بهدف إعداد كوادر تدين بالولاء للتنظيم وتتبنى رؤيته.
لذلك، شكّل الشباب على مدار تاريخ الجماعة الركيزة الأساسية لاستمرارها، ووسيلتها لإعادة إنتاج أفكارها وتوسيع نفوذها داخل المجتمع، من خلال برامج تربوية وتنظيمية استهدفت بناء الانتماء للتنظيم قبل أي انتماء آخر.
في هذا السياق يتحدث معنا أحمد بان الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة وأحد شباب الجماعة الإخوانية سابقًا؛ ليكشف النقاب عن مخطط استقطاب الجماعة للشباب وتحويلهم من عناصر تفكر في بناء مستقبله إلى شاب يسير ضمن قطيع يُطيع فقط.
رسالة البنا بوابة استقطاب الشبابوأكد أحمد بان الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، أن جماعة الإخوان الإرهابية أولت اهتمامًا استثنائيًا بفئة الشباب منذ اللحظة الأولى لتأسيسها، باعتبارهم الأداة الأكثر قدرة على تنفيذ مشروعها الفكري والتنظيمي، مشيرًا إلى أن رسالة حسن البنا" إلى الشباب وإلى الطلبة خاصة" تمثل واحدة من أهم الوثائق المؤسسة لفلسفة الجماعة في استقطاب الأجيال الجديدة وإعادة تشكيل وعيها.
الطلبة الهدف الأول للتجنيدوقال بان إن اختيار حسن البنا لفئة الطلبة لم يكن أمرًا عشوائيًا، بل جاء انطلاقًا من إدراكه لطبيعة هذه المرحلة العمرية، التي تتسم بالحماس والرغبة في التغيير والبحث عن قضية كبرى تمنح الحياة معنى، فضلًا عن امتلاك الطلاب وقتًا يسمح بالانخراط الكامل في النشاط التنظيمي، مقارنة بمن تجاوزوا تلك المرحلة وارتبطوا بمسؤوليات العمل والأسرة.
بناء الانتماء عبر الخطاب الدينيوأوضح أن البنا بدأ رسالته بخطاب عاطفي يستهدف رفع معنويات الشباب وإشعارهم بأنهم أصحاب الرسالة التاريخية القادرة على إنقاذ الأمة، مستشهدًا بالآيات القرآنية والرموز الدينية لإضفاء قداسة على المشروع التنظيمي، وهو ما أدى إلى خلق حالة من التماهي بين الانتماء للجماعة والانتماء للدين نفسه.
وأضاف بان أن أخطر ما في خطاب البنا يتمثل في تكريس فكرة الفصل النفسي والفكري بين الشباب ومجتمعاتهم، من خلال تصوير المجتمع باعتباره قد ابتعد عن الإسلام الصحيح، بينما تحتكر الجماعة وحدها الفهم السليم للدين، الأمر الذي يرسخ شعورًا بالتفوق والتميز، ويدفع الأعضاء الجدد إلى النظر إلى المجتمع باعتباره بحاجة إلى إعادة تشكيل وفق رؤية الجماعة.
وأشار إلى أن هذا التصور لا يقتصر على الجانب الفكري، وإنما ينعكس على البناء التنظيمي للإخوان، حيث يتحول الشاب تدريجيًا من فرد مستقل إلى عنصر داخل تنظيم مغلق، يتلقى التعليمات ويخضع لمنظومة السمع والطاعة، وهو ما يمنح القيادة قدرة كبيرة على توجيه الأعضاء نحو الأهداف التي تحددها.
صناعة عقلية المعركة المستمرةولفت الباحث إلى أن رسالة البنا تعمدت أيضًا تصوير الواقع باعتباره ساحة صراع دائم بين الحق والباطل، بحيث يعيش الشاب في حالة تعبئة مستمرة، ويشعر أن حياته الشخصية وطموحاته الفردية تأتي في مرتبة أقل من" المهمة الكبرى" التي كلف بها، وهي نصرة الجماعة باعتبارها وفق أدبياتها الممثل الحقيقي للإسلام.
إقصاء الآخر وترسيخ الولاءوأوضح بان أن هذه الثنائية الحادة صنعت عقلًا تنظيميًا لا يؤمن بالتعددية أو الاختلاف، بل يرى أن العالم ينقسم إلى معسكرين؛ أحدهما يمثل الحق المطلق الذي تحتكره الجماعة، والآخر يمثل الباطل أو الجاهلية، وهو ما يسهل عملية تجنيد الشباب وإقناعهم بضرورة التضحية من أجل التنظيم.
مشروع الإخوان من الفرد إلى الحكموأضاف أن حسن البنا لم يكتفِ بالدعوة إلى الإصلاح الديني أو الأخلاقي، وإنما وضع مشروعًا سياسيًا متكاملًا يبدأ بالفرد ثم الأسرة ثم المجتمع وصولًا إلى الدولة، معتبرًا أن جميع المؤسسات يجب أن تخضع لرؤية الجماعة، وهو ما يعكس الطابع السياسي الواضح لمشروع الإخوان منذ نشأته.
الدين والسياسة في مشروع الإخوانوأشار إلى أن البنا أعلن صراحة رفضه للأحزاب السياسية والنظم المدنية القائمة، ودعا إلى إقامة ما وصفه بالحكومة الإسلامية وفق تصور الجماعة، وهو ما يكشف أن التنظيم لم يكن مجرد حركة دعوية، بل كان يسعى إلى احتكار المجالين الديني والسياسي في آن واحد.
تأثر البنا بالتجارب الأوروبيةوأكد بان أن من أكثر الجوانب إثارة للجدل في كتابات حسن البنا إشادته ببعض النماذج السلطوية في أوروبا خلال ثلاثينيات القرن الماضي، واستدعاؤه لتجارب قومية مثل ألمانيا وإيطاليا باعتبارها نماذج للقدرة على توحيد المجتمع خلف مشروع واحد، وهو ما يعكس تأثرًا بفكرة التنظيم المركزي والانضباط الصارم، حتى وإن اختلفت المرجعيات الفكرية.
وأوضح أن هذا النموذج يقوم على صناعة" النخبة المختارة" التي ترى نفسها صاحبة رسالة استثنائية لإنقاذ المجتمع، وهو تصور يفضي بطبيعته إلى إقصاء الآخرين ورفض التعددية السياسية والفكرية، ويخلق حالة من الاستعلاء التنظيمي لدى الأعضاء.
الشباب ضمانة استمرار التنظيموأكد الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة أحمد بان على أن قراءة رسائل حسن البنا تكشف بوضوح أن الجماعة لم تعتمد فقط على الخطاب الديني، وإنما استخدمت أساليب نفسية وتنظيمية مدروسة لاستقطاب الشباب، عبر منحهم شعورًا بالتميز والاصطفاء وتحويلهم إلى عناصر فاعلة داخل مشروع تنظيمي طويل المدى، وهو ما يفسر استمرار اهتمام الجماعة، على مدار عقود، باستهداف الطلاب والشباب باعتبارهم الركيزة الأساسية لاستمرار بنيتها التنظيمية وإعادة إنتاج أفكارها عبر الأجيال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك