مرارًا وتكرارًا، طُلب من المدير الفني للمنتخب الفرنسي ديدييه ديشان تفسير السر الكامن وراء القوة المخيفة لفريقه، لكن مشاعره وحدها تعكس بوضوح ما يهم الرجل البالغ من العمر 57 عاماً: الرابط الإنساني والوحدة الجماعية، حيث يفصله انتصاران فقط عن وداع مثالي لرحلته مع الديوك، بعد أن جعل من التعاطف والتلاحم ركيزتين أساسيتين في مسيرة قوية أخرى لفرنسا بمونديال 2026.
وقال ديشان عشية المواجهة المرتقبة في الدور قبل النهائي أمام إسبانيا غداً الثلاثاء" أنا فخور بامتلاك هذا الفريق"، وتعمد المدرب أن يشمل حديثه جميع اللاعبين والمساعدين والأجهزة المعاونة، لأن" الجميع يقاتلون من أجل الفريق".
الطريقة التي يقود بها ديشان قائمته المدججة بالنجوم في هذه النسخة من المونديال، أكسبته احتراماً كبيراً في جميع أنحاء العالم، إذ يقدم النموذج للاعبيه من خلال تجسيد ما يتوقعه منهم تماماً: الالتزام والانضباط، وأيضاً العاطفة والزمالة.
وإن طريقة انحنائه للنجم كيليان مبابي بعد أدائه المبهر في دور الـ32 أمام السويد، وإخراجه للسانه ارتياحاً بعد الفوز المثير في دور الـ16 على باراجواي، وعناقه الطويل للجناح دزيري دوي بعد الفوز في دور الثمانية على المغرب؛ كل هذه صور تترك انطباعاً دائماً ليس لدى الجماهير الفرنسية فحسب.
وأبدى المدافع الألماني السابق ماتس هوميلس إعجابه بديشان قائلاً عبر شبكة" ماجينتا تي في" " إنه يعرف كيف يقود الفرق".
كما أشاد المدرب الألماني يورجن كلوب بأسلوب تواصل ديشان مع لاعبيه، مستشهداً بجناح بايرن ميونخ ميكايل أوليسيه، وقال" لا بد أن شخصاً ما تحدث إلى هؤلاء اللاعبين لكي يلعبوا بهذه الطريقة، فهم لا يفعلون ذلك بمفردهم"، في إشارة إلى العمل الجماعي المتميز بين مهاجمي فرنسا ورغبتهم في التراجع لأداء الأدوار الدفاعية، وهو أمر لا يظهرونه دائماً مع أنديتهم.
ويتولى ديشان تدريب فرنسا منذ عام 2012، ومن المقرر أن يتنحى بعد هذا المونديال، وسط تقارير تشير إلى أن زين الدين زيدان سيخلفه، وربما يحمل ديشان في جعبته لقباً ثالثاً في كأس العالم.
وقاد ديشان منتخب فرنسا كلاعب للفوز بلقب مونديال 1998 وتوج به كمدرب في 2018، ولم يحقق هذه الثنائية سوى فرانز بيكينباور وماريو زاجالو، في حين أن فيتوريو بوتزو هو الوحيد الذي توج بلقبين للمونديال كمدرب مع إيطاليا عامي 1934 و1938.
وتبين هذه الإحصائيات وحدها النخبة التي ينتمي إليها ديشان، وفي نصف النهائي، الثالث على التوالي للديوك، سيحطم مدرب فرنسا رقماً قياسياً جديداً.
وستكون المواجهة ضد إسبانيا، التي يعتبرها الكثيرون بمثابة نهائي مبكر للبطولة، المباراة رقم 26 له في كأس العالم كمدرب، ليحطم الشراكة مع مدرب ألمانيا الغربية الأسبق هيلموت شون المستقرة عند 25 مباراة، وينفرد بالرقم القياسي ابتداءً من غدا الثلاثاء، وهو اليوم الذي تحتفل فيه فرنسا بعيدها الوطني (يوم الباستيل).
ولطالما امتلكت فرنسا وفرة من اللاعبين الموهوبين، لكن هذا الفريق لا يشبه أبداً ذلك الذي اصطدم بالمدرب الأسبق ريمون دومينيك في مونديال 2010 وتحول إلى أضحوكة كاملة.
وبعد أن كان يُنظر إلى الديوك على أنهم فريق يستحيل تدريبه، شهدوا تطوراً ملحوظاً في عهد ديشان، وتحولوا إلى محترفين مثاليين اختارهم مدربهم بعناية وتوحدوا في مهمة مشتركة.
وأكد ديشان أن اللاعبين الذين يرتدون قميص فرنسا يحملون مسؤولية تجاه المشجعين والشعب في الوطن، واصفاً القائد مبابي بأنه" قدوة" حقيقية داخل وخارج الملعب.
وجسد مبابي كل ما يريد مدربه رؤيته في هذه البطولة: التعطش لتسجيل الأهداف، وعقلية الفريق أولاً.
وبعد وفاة والدة ديشان خلال دور المجموعات، أظهر مهاجم ريال مدريد تعاطفاً كبيراً مع مدربه، بما في ذلك خلال احتفالاته بالأهداف.
وحتى قبل المباراة الأولى لفرنسا في المونديال، أكد مبابي أنه يريد أن يمنح ديشان" أفضل كأس عالم على الإطلاق" كهدية وداع.
وإذا تمكن بطل العالم مرتين من الإطاحة ببطل أوروبا المنتخب الإسباني ثم المضي قدماً للفوز بالنهائي، فإنها ستكون كذلك بالتأكيد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك