أعادت الصين اليوم ملف بحر جنوب الصين إلى واجهة الصراع القانوني والسياسي عبر حملة دبلوماسية وإعلامية منسقة، تصر فيها على أن قرار التحكيم الصادر عام 2016 ليس سوى" حبر على ورق" وأنه مجرد قرار باطل لا يملك أي قوة إلزامية.
بمناسبة الذكرى العاشرة لصدور قرار التحكيم المتعلق بالنزاع بين مانيلا وبكين في بحر جنوب الصين، أصدرت 14 دولة بقيادة الولايات المتحدة بيانا مشتركا أعادت فيه التشكيك بالمطالبات البحرية الصينية ووصفتها بأنها بلا أساس قانوني، في خطوة قدمتها بكين بوصفها محاولة لجعل القرار مرجعا للنزاع البحري.
list 1 of 411 دولة ترفض مطالب بكين بالسيادة على بحر جنوب الصينlist 2 of 4تايوان تحذر من" توسع" صيني في المجال البحري وسط غياب تحرك دوليlist 3 of 4معركة الخرائط والقانون.
كيف ترد بكين على تحركات الفلبين؟list 4 of 4البحر الأصفر.
بحر الثروات والتحديات في شرق آسياقدمت الصحافة الصينية هذا البيان -في عدة تقارير مختلفة- بوصفه تحركا سياسيا موجها، لا يرقى لمستوى الإجماع الدولي، مشيرة إلى أن 14 دولة فقط من أصل 193 عضوا في الأمم المتحدة وقعت عليه، وأن معظمها حلفاء غربيون لواشنطن وليسوا من دول الإقليم.
استثمرت وزارة الخارجية الصينية المناسبة لتكرار موقفها الحاسم بأن الصين" لا تقبل القرار ولا تعترف به، وتعارض أي مطالبات أو إجراءات تُبنى عليه"، مؤكدة أن سيادتها على جزر بحر جنوب الصين وحقوقها البحرية لن تتأثر بهذا القرار تحت أي ظرف.
وفي تصريح نقلته صحيفة الشعب اليومية، وصف متحدث باسم الخارجية الصينية المحكمة بأنها تجاوزت صلاحياتها بشكل يؤثر على سيادة القانون الدولي، ويقوض بشكل خطير سلطة اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
البيان المتعلق ببحر جنوب الصين لم يصدر بمبادرة من الدول الآسيوية المعنية، ويكشف النوايا الحقيقية لبعض الدول من خارج المنطقة، التي تسعى إلى إثارة الاضطرابات وتقويض السلام والاستقرار الإقليمييننشر موقع شبكة الصين الإخبارية مقالا تحليليا وصف فيه الكاتب قرار التحكيم بأنه مجرد" ورقة بلا قيمة" وأنه مسرحية سياسية ارتدت عباءة القانون، مؤكداً أن هيئة التحكيم تجاوزت ولايتها عندما تعاملت مع نزاعات تتعلق بالسيادة على الجزر وترسيم الحدود البحرية، وهي موضوعات سبق أن استثنتها الصين من آليات التحكيم الإلزامي.
ويُحيل المقال إلى خبراء قانون دولي يرون أن تشكيل هيئة التحكيم نفسها مثير للجدل، حيث عيّن رئيس المحكمة الدولية لقانون البحار، وهو قاضٍ ياباني وصفه المقال بأنه" يميل إلى التيار اليميني"، غالبية أعضائها، وهو ما يطعن، وفق الخبراء الذين استند إليهم المقال، في حياد تشكيلها وسلامة إجراءاتها.
كما يركز الكاتب على البعد التاريخي لادعاءات الصين، مستشهدا بـ" سجلات المسارات البحرية" التي تعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد حول رحلات الصينيين إلى بحر جنوب الصين، والتي وثّقت تسمية الجزر واستغلالها وصورا من إدارة الدولة لها.
ويستند التحليل إلى وثائق ما بعد الحرب العالمية الثانية مثل" إعلان القاهرة" و" إعلان بوتسدام" بوصفها سندا قانونيا لإعادة الجزر إلى السيادة الصينية، لتأكيد بطلان قرار التحكيم الذي يلغي حقوقا تاريخية أقرّتها ضمنيا الوثائق الدولية والقوى الغربية ذاتها.
خصصت صحيفة غلوبال تايمز -في نسختها الإنجليزية الموجهة إلى الرأي العام الدولي- عدة تقارير وتحليلات للرد على دخول قوى غير إقليمية على خط التحكيم، متهمة اليابان بـ" ازدواجية المعايير" بموافقتها وتوقيعها على البيان المشترك حول قرار التحكيم.
ونقلت عن السفارة الصينية في لندن وصفها لتوقيع بريطانيا على البيان المشترك بأنه" سلوك عبثي"، مؤكدة أن لندن ليست طرفا في نزاع بحر جنوب الصين ولا تملك شرعية سياسية أو قانونية لإصدار الأحكام على سيادة الصين ومطالبها البحرية.
وفي هذا الإطار، يصرح الباحث في الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية يانغ شياو للصحيفة بقوله" إن البيان المتعلق ببحر جنوب الصين لم يصدر بمبادرة من الدول الآسيوية المعنية، ولم يحظَ بدعم جماعي من دول ورابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، وهذا ما يكشف النيات الحقيقية لبعض الدول من خارج المنطقة، التي تسعى إلى إثارة الاضطرابات وتقويض السلام والاستقرار الإقليميين".
أما افتتاحية الصحيفة فصعّدت اللغة؛ ووصفت القرار بأنه" ورقة باطلة" وأن 14 دولة لا يمكنها أن تغيّر واقع ممارسة الصين لسيادتها على جزر بحر جنوب الصين بثبات.
وتضيف أن محاولات إحياء القرار لم تكن دفاعا عن الفلبين بقدر ما كانت جزءا من إستراتيجية غربية لتحويل بحر جنوب الصين إلى برميل بارود في منطقة آسيا، من أجل عرقلة مفاوضات" مدونة قواعد السلوك في بحر جنوب الصين" بين الصين وآسيان.
في المقابلة الموسّعة التي أجرتها صحيفة" ساوث تشاينا مورنينغ بوست"، مع وو شي تسوِن، رئيس المعهد الوطني لدراسات بحر جنوب الصين، يُنظر إلى القضية باعتبارها" خطا أحمر" لا تقبل فيها الصين المساس بما تسميه" حقوقها الجوهرية".
ويوصف الخط الأحمر هنا بأنه مزدوج من حيث الرفض القاطع لأي محاولات لتشريع قرار التحكيم في نصوص ملزمة كمدونة السلوك، وكذلك الرفض لأية ترتيبات ترسيم حدود بحرية تُعقد بين دول متنازعة تتجاهل الصين.
يشير وو شي تسوِن إلى أن بكين انتقلت من حالة الدفاع السلبي إلى تبني مشروع بناء سردية جديدة لبحر جنوب الصين، بهدف مواجهة ما يعتبره" حملة علاقات عامة فلبينية وغربية" تقوم على تصوير الصين كدولة خارجة عن القانون.
بينما تذهب تحليلات غلوبال تايمز إلى ما هو أبعد من اللغة القانونية لتؤكد أن قرار التحكيم، مهما حاولت الدول الغربية إحياؤه، لم يمنع الصين من فرض وجودها الميداني، وتذكر الصحيفة أن خفر السواحل الصيني يواصل اعتراض السفن الفلبينية في مناطق متنازع عليها، وتُقدّم هذه التحركات بوصفها جزءا من" الحماية المؤسسية للسيادة، وليست مجرد ردود فعل ظرفية".
رغم صيغة الخطاب الإعلامي الحازم، تذكّر التقارير الصينية بأن بحر جنوب الصين ليس مجرد ملف للنزاع بل فضاء للتعاون مع دول آسيان، مستدلة بالتقدم في مشاورات مدونة السلوك ومحاولات الدفع باتجاه مشاريع مشتركة في مجالات الصيد والبيئة والطاقة.
إذ يشدّد وو شي تسوِن على ضرورة الحفاظ على العلاقات مع فيتنام وماليزيا وإندونيسيا عبر قنوات ثنائية لتفادي تحويل الخلافات البحرية إلى تحالفات مضادة للصين، مع إبقاء الباب مفتوحاً لتقاسم المنافع دون المساس بالسيادة.
من خلال القراءة الصينية الرسمية وشبه الرسمية، يتضح أن إحياء ملف بحر جنوب الصين بعد عقد على قرار التحكيم لا يشكّل اعترافاً بشرعية الحكم؛ وإنما محاولة لجعل الذكرى فرصة للتشكيك فيه وإعادة تعريفه بصفته" سوء استخدام للقانون".
هذه المقاربة تجعل من بحر جنوب الصين" خطاً أحمر" في الخطاب السياسي الصيني، حيث يجري تقديم أية محاولة لاعتماد قرار التحكيم بوصفه" مرجعا ملزما" على أنها استهداف لسيادة الصين وتهديد لعملية التفاوض الآسيوية، مع الإشارة إلى أن بكين ستواصل الجمع بين الرفض القانوني وترسيخ وجودها الميداني في المناطق المتنازع عليها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك