الأمير الوالد.
مؤسس قطر الحديثةهناك رجال يحكمون أوطاناً، ورجال يصنعونها.
والأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، طيب الله ثراه، من الطراز الثاني؛ من أولئك الذين لا تُقاس سنوات حكمهم بالتقويم، بل بالمسافة بين ما كنا وما أصبحنا.
يتذكر أهل قطر قبل عام ١٩٩٥: بلداً صغيراً على أطراف الخريطة، يعرفه الجيران ويجهله العالم.
ثم جاء رجلٌ نظر إلى أعماق البحر فرأى ما لم يره غيره؛ رأى في حقل الشمال ليس غازاً فحسب، بل جسراً نعبر عليه إلى المستقبل.
راهن حين تردد الآخرون، فإذا بقطر خلال سنوات تتصدر العالم في تصدير الغاز المسال، وإذا بأبنائها يعيشون في واحدة من أغنى دول الأرض.
لكن عظمة الرجل لم تكن في الثروة، بل في السؤال الذي طرحه بعدها: ماذا نصنع بها؟كان جوابه أن الثروة الحقيقية عقول أبنائنا.
فقامت المدينة التعليمية تستقطب أعرق جامعات العالم إلى تراب الدوحة، وصار حلم العلم الذي كان يتطلب سفراً وغربةً على بُعد دقائق من بيوتنا.
وكان جوابه أن الكلمة الحرة كرامة، فأطلق قناة الجزيرة لتكسر جدار الصمت العربي، وتحمل «الرأي والرأي الآخر» إلى كل بيت، فعرف العالم أن في هذه الجزيرة الصغيرة صوتاً لا يخاف.
وكان جوابه أن قطر لن تكون طرفاً في نزاعات المنطقة، بل جسراً بين المتخاصمين.
فكتب الصلح في دستورنا قبل أن يكتبه في سياستنا، وصارت الدوحة بيتاً يلتقي فيه الفرقاء حين تغلق الأبواب في وجوههم؛ من اتفاق لبنان عام ٢٠٠٨ إلى دارفور وما بعدها.
علمنا أن الدولة الصغيرة تكبر بأخلاقها ومساعيها، لا بمساحتها.
ثم رفع اسمنا حيث لم يصل اسم عربي من قبل.
دورة الألعاب الآسيوية، أكاديمية أسباير، ثم اللحظة التي وقف فيها العالم مذهولاً عام ٢٠١٠: قطر تفوز باستضافة كأس العالم، أول مونديال في تاريخ العرب والمسلمين.
وفي الثقافة، شيد متحف الفنون الإسلامية ليقول للدنيا إننا أمة حضارة وذاكرة، لا مجرد أبراج وثروات.
وامتدت يد قطر البيضاء إلى كل منكوب ومحتاج؛ من إعمار ما هدمته الحروب إلى تعليم ملايين الأطفال المحرومين، فصار العطاء جزءاً من هويتنا الوطنية.
ثم جاء درسه الأخير، وكان أبلغها جميعاً.
في يونيو ٢٠١٣، وفي ذروة النجاح، سلم الراية طواعية لسمو الشيخ تميم بن حمد، حفظه الله.
تنازل عن الحكم وهو في كامل قوته، في منطقة لم تعرف تداول السلطة إلا اضطراراً.
قال بفعله ما لم يقله بلسانه: إنني بنيت دولةً لا عرشاً، ومؤسساتٍ لا أمجاداً شخصية.
وكم كان مشهد الأب واقفاً خلف ابنه درساً في الوفاء قبل أن يكون درساً في الحكم.
نحن جيل محظوظ؛ رأينا الوطن يولد من جديد على يدي رجل واحد آمن بنا قبل أن نؤمن بأنفسنا.
واليوم، حين تهبط طائراتنا في كل عواصم الدنيا، وحين يجلس المتخاصمون على طاولة في الدوحة، وحين يتخرج أبناؤنا من جامعات عالمية، فإننا نقطف ثمار غرسه.
سمو الأمير الوالد لم يترك لنا إنجازات فحسب؛ ترك لنا عقيدة وطنية: أن الجغرافيا قدر، لكن المصير قرار.
وأن قطر، مهما صغرت مساحتها، تتسع لحلم بحجم العالم.
اليوم نودعك والقلوب تعتصر، لكن عزاءنا أن ما بنيته باقٍ فينا وفي أبنائنا وأحفادنا، وأن الراية التي سلّمتها بيدك أمينةٌ في يد من ربّيت.
الله يرحمك يا سمو الشيخ حمد، ويجزيك عن قطر وأهلها خير الجزاء، ويحفظ لنا سمو الأمير قائدنا، ويديم على وطننا أمنه وعزه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك