قبل أكثر من قرن، وقبل ظهور الإذاعة والصحف اليومية ووسائل الاتصال الحديثة، كان «الدلال» واحدًا من أبرز الوجوه في الحياة العامة داخل المدن الليبية، خاصة في طرابلس.
فقد لعب هذا الرجل دورًا يتجاوز بيع السلع بالمزاد، ليصبح وسيلة لنقل الأخبار والإعلانات الرسمية، وحلقة وصل بين السلطات والسكان.
الدلال.
أكثر من بائع في الأسواقوتوثق صور تعود إلى أواخر العهد العثماني الثاني، وبدايات القرن العشرين، أحد الدلالين في مدينة طرابلس، مرتديًا زيه التقليدي الأنيق، في دلالة على المكانة التي كانت تحظى بها هذه المهنة.
فلم يكن اختيار الدلال أمرًا عشوائيًا، بل كانت المهنة تتطلب صفات خاصة، منها حسن المظهر، والأمانة، وقوة الصوت، والقدرة على التواصل مع مختلف فئات المجتمع.
-«ترشيق الحرير».
حين تبدأ حكاية الحوكي من التفاصيل الخفية (صور)-أكاديمية طرابلسية تسعى لإحياء تقليد صياغة المعادن الثمينةيشار إلى أن الدلال كان يتولى الإعلان عن المزادات وبيع السلع والعقارات والماشية والبضائع، لكنه كان يؤدي أدوارًا أخرى في الحياة اليومية؛ إذ كان يعلن عن الاجتماعات العامة، والتعليمات الرسمية، والأحداث الطارئة، والمفقودات، وغيرها من الأخبار التي يحتاج السكان إلى معرفتها.
صوت المدينة قبل الصحافة ووسائل الاتصالفي مجتمع اعتمد لفترات طويلة على التواصل الشفهي، كان صوت الدلال يمثل وسيلة إعلام سريعة تصل إلى الناس في الأسواق والأحياء.
وكان يجوب الأماكن العامة مناديًا بما لديه من أخبار أو إعلانات، ليصبح جزءًا من المشهد اليومي للمدينة.
أما المزادات العلنية التي ارتبطت بمهنة الدلال، فما زالت موجودة حتى اليوم بأشكال مختلفة، وانتقلت من الأسواق التقليدية إلى القاعات المتخصصة والمنصات الإلكترونية العالمية.
وتكشف هذه المهنة جانبًا مهمًا من تاريخ الحياة الاجتماعية والاقتصادية في ليبيا، حيث لم يكن الدلال مجرد موظف للبيع بالمزاد، بل كان شاهدًا على حركة المدينة ووسيطًا بين الناس والأحداث، في زمن كانت فيه الكلمة المسموعة والصوت الجهور من أهم وسائل التواصل.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك