رغم إعلان الولايات المتحدة إعادة فرض الحصار البحري على الموانئ وشحنات النفط الإيرانية، تؤكد طهران أن صادراتها النفطية لم تتوقف، بل تواصل التدفق بالوتيرة نفسها تقريباً، مستندة إلى شبكة معقدة من آليات الالتفاف على العقوبات طورتها خلال سنوات، في وقت تكشف فيه بيانات تتبع السفن عن عودة ناقلات النفط الإيرانية إلى استخدام أسلوب" العبور المظلم" عبر مضيق هرمز، بينما يدفع التصعيد العسكري كبار المستوردين الآسيويين إلى إعادة رسم خريطة وارداتهم من الطاقة.
وأكد وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد، اليوم الثلاثاء، أن صادرات بلاده مستمرة دون انقطاع رغم إنهاء الإعفاء الأميركي الذي كان يسمح مؤقتاً ببيع النفط الإيراني، مشيراً إلى أن وزارة النفط أمضت سنوات في بناء منظومة قادرة على تحييد آثار العقوبات، وأن هذه المنظومة بقيت تعمل حتى خلال فترة الإعفاء، لذلك؛ فإنّ إلغاءه لم يفرض تغييراً على استراتيجية التصدير أو وتيرة الشحنات، كما اتهم واشنطن بالتراجع عن التزاماتها وانتهاك الاتفاق الذي نظم الإعفاءات المؤقتة.
ووفق بيانات جمعتها وكالة" بلومبيرغ" الأميركية، فإن إيران عادت إلى استخدام أحد أبرز أساليبها خلال سنوات العقوبات، والمتمثل في إطفاء أجهزة التتبع الخاصة بناقلات النفط أثناء عبورها مضيق هرمز.
ووفق البيانات، عبرت خلال الأسبوع الماضي ست ناقلات عملاقة خاضعة للعقوبات الأميركية، قادرة على حمل نحو 12 مليون برميل من النفط الخام، باتجاه خليج عُمان من دون بث أي إشارات ملاحية، فيما غادرت ناقلة سابعة ميناء جاسك الإيراني الواقع خارج مضيق هرمز، ما يتيح لها تفادي جزء من المخاطر المرتبطة بالممر البحري.
وتشير البيانات إلى أنّ إيران لم تعتمد على الإعفاء الأميركي خلال الأسابيع الماضية بقدر اعتمادها على شبكات التصدير التي بنتها منذ سنوات، إذ واصلت استخدام السفن الخاضعة للعقوبات، وتغيير مسارات الشحن، وإخفاء مواقع الناقلات خلال مراحل حساسة من الرحلات، بما يسمح بوصول الخام إلى المشترين رغم القيود الأميركية، كما أن إعلان واشنطن إعادة فرض الحصار البحري لم يمنع استمرار خروج السفن المرتبطة بطهران من موانئها.
وتقدر" بلومبيرغ" أن إيران تمكنت من تصدير نحو 57 مليون برميل من النفط الخام بين فترتي الحصار البحري الأميركي، فيما تشير تقديرات أخرى إلى نجاحها في تمرير نحو 12 مليون برميل خلال الأسبوع الممتد بين انتهاء الإعفاء الأميركي في 7 يوليو/تموز وإعادة فرض الحصار في 14 يوليو/تموز، وهو ما يعكس استمرار تدفقات الصادرات رغم تشديد القيود الأميركية.
ولا تقتصر استراتيجية إيران على إخفاء حركة الناقلات، بل تمتد إلى الحفاظ على شبكة من المشترين التقليديين، وفي مقدمتهم المصافي الصينية المستقلة التي استمرت في شراء النفط الإيراني طوال سنوات العقوبات.
ووفق بيانات شركة ويندوارد المتخصصة في الاستخبارات البحرية، أوقفت تسع ناقلات نفط إيرانية خاضعة للعقوبات بث إشاراتها قبالة السواحل الماليزية، وكانت تحمل شحنات تقدر قيمتها بنحو 989 مليون دولار، استناداً إلى تقديرات شركة فورتيكسا.
وأضافت الشركة أن معظم هذه الشحنات تتجه إلى مصافي شاندونغ الصينية عبر مسار يعتمد على مزج النفط الإيراني في ماليزيا قبل إعادة تصديره إلى الصين، بما يصعب تحديد منشأ الخام.
في المقابل، تعكس حركة الملاحة في مضيق هرمز حجم التوتر المتصاعد، إذ أظهرت بيانات تتبع السفن أن ثلاث سفن فقط كانت تبث إشارات مرورها علناً في الساعات الأولى من صباح الثلاثاء، بينما يرجح وجود عدد أكبر من السفن التي تعبر المضيق وهي لا تستخدم أجهزة التتبع، سواء كانت إيرانية أو غير إيرانية، ما يزيد من صعوبة مراقبة حركة الملاحة ويرفع المخاطر الأمنية في أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم.
وأدت هذه التطورات إلى تغيير سريع في سلوك كبار المستوردين الآسيويين.
فقد عادت المصافي في آسيا إلى التفاوض على شراء شحنات فورية من النفط الخام الأميركي، بعدما تلاشت الآمال في تعافي الملاحة عبر مضيق هرمز، بينما سجلت الولايات المتحدة مستويات قياسية في صادرات النفط الخام، مدفوعة بارتفاع الطلب من الأسواق الآسيوية الباحثة عن مصادر لا تعتمد على المرور عبر المضيق.
كما امتدت تداعيات الأزمة إلى سوق الغاز الطبيعي المُسال، إذ اضطرت باكستان إلى طرح ثاني مناقصة خلال أسبوعَين لشراء شحنات فورية، بعد تعطل بعض الإمدادات القطرية نتيجة اضطرابات الملاحة.
وإذا نجحت المناقصة الجديدة، فستكون إسلام أباد قد اشترت أربع شحنات فورية خلال يوليو/تموز، وهو أعلى مستوى منذ اندلاع الحرب، في مؤشر على اتساع تأثير الأزمة ليشمل مختلف أسواق الطاقة، وليس النفط الخام فقط.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك