في ظل موجات الحرارة المتتالية التي تضرب الولايات المتحدة وأوروبا، تزداد أهمية النماذج العلمية التي تربط بين تغيّر المناخ والظواهر الجوية المتطرفة بالنسبة لصانعي السياسات والمؤسسات التجارية، مثل شركات التأمين، لكن رد الفعل السياسي المتزايد يهدف إلى تقويض مصداقيتها.
يمكن لعلماء المناخ الآن تقييم مدى تفاقم ظاهرة مناخية متطرفة معينة، بسبب تغيّر المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية، وعلم «تحديد الأسباب»، كما يُعرف، موجود منذ أوائل العقد الأول من القرن الـ21، لكن تحسن الموارد الحاسوبية والفهم العلمي في السنوات الأخيرة جعلا النتائج أكثر فائدة لصانعي السياسات.
يمكن الآن إتمام بعض الدراسات حتى أثناء حدوث الظاهرة الجوية نفسها، وخلال موجة الحر التي ضربت شرق الولايات المتحدة، في وقت سابق من هذا الشهر، توصل باحثون من «مبادرة إسناد الطقس العالمي»، وهو تعاون دولي يضم علماء مناخ، تأسس في عام 2014، ويهدف إلى تقييم وقياس مدى تأثير تغيّر المناخ الناتج عن الأنشطة البشرية في الظواهر الجوية المتطرفة، إلى أن المزيد من درجات الحرارة المرتفعة والرطوبة العالية كان سيكون «مستحيلاً عملياً»، لولا غازات الدفيئة المنبعثة من حرق الوقود الأحفوري.
وقالت أستاذة علوم المناخ في جامعة كولومبيا، مينغفانغ تينغ، في حديثها على بودكاست «زيرو»، الذي أطلقته لـ«بلومبيرغ»: «أصبح هذا العلم ناضجاً للغاية الآن»، وأضافت: «ما مدى احتمالية وقوع ظاهرة ما في عالم خالٍ من الوقود الأحفوري، مقارنة بعالم يحتوي على الوقود الأحفوري؟ نُجري نماذج هذين الشرطين ثم نحصل على احتمالية وقوع الظاهرة».
من جانبه، قال عالم المناخ في «جامعة ستانفورد»، نوي ديفنباو، الذي يعمل في مجال تحليل البيانات: «النهج العلمي الأساسي هو أنه يتعيّن علينا صياغة فرضية واختبارها، وهذا يتطلب سيناريو افتراضياً بديلاً»، وأضاف: «لا يمكننا توليد هذا السيناريو الافتراضي البديل عن طريق وضع الأرض في المختبر»، لذا فإن أفضل بديل هو استخدام محاكاة حاسوبية.
ومع ازدياد دقة علم المناخ، يعتقد خبراء في هذا المجال أن هذه الأبحاث ستُستخدم بشكل متزايد في المحاكم، لمحاسبة الشركات والحكومات مالياً عن الأضرار الناجمة عن تغيّر المناخ.
ويبحث تقرير تاريخي حول إسناد الظواهر الجوية المتطرفة إلى جهات معينة، من المقرر أن تنشره الأكاديميات الوطنية الأميركية للعلوم والهندسة والطب في يوليو الجاري، مدى التقدم الذي أحرزه هذا المجال، والمجالات التي تحتاج إلى مزيد من البحث.
ووفقاً لمجلة «بوليتيكو»، فإن هناك بالفعل جهود منسقة من قبل بعض «الجمهوريين» في الكونغرس الأميركي وأعضاء في صناعة الوقود الأحفوري لتقويض مصداقية التقرير.
وتواجه النماذج بشكل عام تدقيقاً سياسياً متزايداً، ففي مايو الماضي، على سبيل المثال، أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أن بعض نماذج المناخ «خاطئة»، ما دفع العلماء إلى التسرّع في الدفاع عن فائدة أعمالهم.
لقد عمل باحثو المناخ تحت ضغوط سياسية لعقود، وقال عالم المناخ في «جامعة ستانفورد»، نوي ديفنباو: «كانت الضغوط موجودة طوال الوقت، منذ أن كنت في مرحلة الدراسات العليا»، أي قبل نحو 20 عاماً.
لايزال من غير الواضح ما إذا كان من الممكن استخدام الدراسات المناخية في السياق القانوني، لكن هذه العلوم لها بالفعل تطبيق عملي في قطاع التأمين.
وتابع ديفنباو: «يستخدم بعض العلماء النماذج المناخية لوضع فرضيات حول ما سيكون عليه المناخ في ظل وجود عوامل مؤثرة مختلفة أو في غيابها، ثم نستخدم الملاحظات المناخية، لاختبار تلك الفرضيات».
وهذه هي العملية نفسها التي تستخدمها شركات التأمين للتنبؤ بكيفية تغيير الاحترار العالمي للتهديدات المناخية في الحاضر والمستقبل القريب، ولتحديد أقساط التأمين بناءً على ذلك، ومع تغيّر المناخ الذي يغيّر الغلاف الجوي، تصبح الظروف التاريخية دليلاً أقل موثوقية لتقييم المخاطر البيئية المستقبلية، كما أن شركات التأمين تستخدم المحاكاة الحاسوبية، لتقييم المخاطر من خلال فهم الموقع المحتمل، وتكرار الظواهر الجوية المتطرفة، فضلاً عن حجم الأضرار التي ستسببها.
وقال المتخصص في الكوارث الطبيعية بشركة «سويس ري»، وهي شركة تأمين مقرها زيورخ، إريك ليندغرين: «هذه دراسات توفر طريقة لمحاولة الحصول على معلومات حول الفرق بين الحاضر وفترة ما في الماضي»، وأضاف: «ما حدث على مدار الـ100 عام الماضية لن يتكرر خلال السنوات الـ10 المقبلة»، ولفت ليندغرين إلى أن النماذج قد تكون مضللة بقدر ما هي مفيدة، وأوضح: «عليك أن تفهم ما حدودها، لكن يمكنك بالتأكيد استخدام النماذج المناخية، لتحسين فهمك لما يحدث في النظام المناخي الأوسع نطاقاً».
قبل 20 عاماً، عندما بدأ ديفنباو في العمل بمجال علم المناخ والبيانات، كانت أجهزة الكمبيوتر أقل كفاءة، ولم تكن سجلات الأقمار الاصطناعية تمتد إلا لعقدين من الزمن، وكان تقييم ما إذا كان تغيّر المناخ قد أدى إلى تفاقم أي حدث منفرد، أمراً أصعب بكثير.
ربما لم يصبح المشهد السياسي أسهل، لكن ديفنباو أعرب عن ثقته بالأساليب العلمية، وقال: «تتمثّل مسؤولياتنا في طرح فرضيات قابلة للاختبار، واختبار تلك الفرضيات بموضوعية، وقياس درجة عدم اليقين، والإبلاغ عن تلك النتائج بدقة».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك