" إن ترك آلية السوق لتكون الموجه الوحيد لمصير البشر وبيئتهم الطبيعية من شأنه أن يؤدي إلى هدم المجتمع"، بهذه العبارة المبكرة، حذر كارل بولاني من خطورة أن يتحول السوق من أداة لتنظيم الاقتصاد إلى سلطة غاشمة تحدد مصير الإنسان والمجتمع، غير أن العالم اليوم يبدو وكأنه تجاوز حتى هذا التحذير؛ فلم يعد السوق يوجه الاقتصاد وحده، بل أخذ يعيد تشكيل معايير القيمة الإنسانية نفسها.
لقد اعتدنا أن نفهم العنصرية بوصفها تمييزا بين البشر على أساس اللون أو العرق أو الجنس؛ لكن قبل ذلك ينبغي التمييز بين التمايز والعنصرية؛ فالتمايز بين البشر سنة من سنن الخلق؛ يختلف الناس في الألوان والأعراق والألسنة والثقافات، ويعتز كل شعب بتاريخه وهويته وانتمائه، وهذا في ذاته ليس عنصرية؛ فالاعتزاز بالوطن أو بالحضارة أو بالأصل لا يصبح عنصرية إلا إذا تحول إلى مبرر لانتقاص الآخرين أو لترتيب الحقوق والامتيازات على أساس انتماء العرق أو اللون أو الجنس.
ومن هنا يمكن تعريف العنصرية بأنها ترتيب الحقوق والامتيازات والكرامة الإنسانية على أساس اللون أو العرق أو الجنس، بما يمنح فئة مكانة أعلى من غيرها لمجرد انتمائها، وقد بلغت العنصرية ذروتها في العصر الاستعماري، حين استُخدمت نظريات التفوق العرقي لتبرير الاحتلال والاستعباد والإبادة، ووصفت شعوبا كاملة بأنها أقل تحضرا أو أقل أهلية للحرية والسيادة، غير أن العالم المعاصر يشهد -في تقديري- تحولا آخر، لا يعني اختفاء العنصرية التقليدية، بل ظهور معيار جديد للتمييز، وأقترح أن نسمي هذا التحول" ما بعد العنصرية".
ففي هذه المرحلة، لم يعد الإنسان يُقاس بلونه أو أصله، بل بقيمته السوقية، لقد أصبح السوق هو الذي يعيد ترتيب المكانة الإنسانية، وأصبحت قيمة الفرد مرتبطة قدرته على تحقيق الربح، وجذب الإعلانات، وصناعة الجماهير، وتحريك الاستهلاك، وهكذا يتحول الإنسان تدريجيًا من غاية في ذاته إلى سلعة اقتصادية تخضع لقوانين العرض والطلب.
وتقوم" ما بعد العنصرية" على ركيزتين أساسيتين: الأولى: سحق القيمة الإنسانية تحت أقدام الرأسمالية المتوحشة؛ إذ تتراجع الكرامة والقيم الأخلاقية أمام منطق الربح، ويصبح الإنسان وسيلة للإنتاج والاستهلاك أكثر من كونه إنسانا له قيمة ذاتية.
والثانية: إعادة ترتيب الحقوق والامتيازات وفق القيمة السوقية لا وفق العدالة أو المساواة في الفرص؛ فلا تُمنح المكانة لمن يستحقها أخلاقيا أو قانونيا، وإنما لمن يمتلك أعلى قيمة في السوق.
وقد تنحاز المنظومة الاقتصادية أحيانًا إلى شخص ينتمي إلى جماعة كانت تاريخيًا ضحية للتمييز، لا بدافع العدالة، بل لأن وجوده أصبح أكثر ربحا أو أكثر جاذبية للمستهلكين، وفي المقابل، قد يتراجع موقع شخص ينتمي إلى جماعة كانت تتمتع تاريخيًا بمكانة أعلى إذا فقد قيمته السوقية؛ فالميزان لم يعد اللون، بل الربح.
ولعل كأس العالم الحالي يمثل نموذجًا بالغ الدلالة لفهم هذه الفكرة؛ فهو لم يعد مجرد بطولة رياضية، بل صناعة عالمية تتشابك فيها مصالح الشركات العملاقة، والرعاة، وحقوق البث، والجماهير، والاتحاد الدولي، والمراهنات، والاستثمارات التي تُقدر بمليارات الدولارات، ويمكن قراءة بعض ما يجري داخل هذه الصناعة بوصفه خاضعا -ولو جزئيًا- لمنطق السوق بقدر خضوعه للمنطق الرياضي؛ فالقيمة التجارية للمنتخبات، وحجم جماهيرها، وقدرتها على جذب الإعلانات والاستثمارات، أصبحت عناصر لا يمكن إغفالها عند تحليل المشهد الرياضي الحديث.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى ما تعرض له المنتخب المصري في كأس العالم بوصفه حالة يمكن قراءتها من خلال مفهوم" ما بعد العنصرية"؛ فالسؤال الذي يطرحه هذا المفهوم ليس: هل يوجد تمييز بسبب اللون أو العرق؟ بل: هل أصبحت القيمة السوقية للمنتخبات والدول أحد العوامل التي تؤثر في عدالة المنظومة الرياضية العالمية، بما قد ينعكس على فرص بعض الأطراف وطموحاتها؟
لا يدعي هذا الطرح أن السوق يفسر جميع القرارات، ولا أن نتائج البطولات تُصنع خارج الملعب، لكنه يدعو إلى إعادة التفكير في طبيعة التمييز في عصر الرأسمالية المعولمة، حيث قد لا يكون العرق هو معيار الامتياز الأول، بل القيمة الاقتصادية، لقد كانت العنصرية التقليدية تسأل الإنسان: من أي عرق أنت؟ أما" ما بعد العنصرية" فتطرح سؤالًا مختلفًا وأكثر قسوة: كم تساوي في السوق؟ ، وربما يكون هذا هو أخطر تحول يشهده عالمنا؛ فحين تصبح القيمة السوقية هي المعيار الأعلى، لا يتهدد الاقتصاد وحده على المدى البعيد، بل يتهدد معنى وجود الإنسان نفسه.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك