تونس- “القدس العربي”: اقترح رياض الشعيبي، المستشار السياسي لرئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، ما قال إنه ميثاق وطني للانتقال الديمقراطي في تونس.
وكتب على حسابه بموقع فيسبوك: “لم يعد السؤال الذي يشغل التونسيين اليوم هو: كيف تنتهي المرحلة الراهنة؟ فقد أثبتت السنوات الماضية أن إسقاط سلطة أو تغيير رئيس، مهما كانت مبرراته، لا يكفي وحده لإخراج البلاد من أزماتها المتراكمة.
بل السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن تتجه إليه جهود القوى الوطنية هو: كيف نبني اليوم التالي؟ ”.
واعتبر أن تونس دفعت منذ سنة 2011 “ثمن غياب التوافق على قواعد مستقرة لإدارة الاختلاف السياسي.
كما دفعت، منذ 2021، ثمن الانتقال إلى حالة استثنائية طالت أكثر مما ينبغي، وأنتجت اختلالًا في التوازن بين السلطات، وأضعفت المؤسسات، وعمّقت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.
ومن ثم، فإن إنهاء الأزمة لا يمكن أن يكون مجرد عودة إلى الماضي، ولا قطيعة كاملة معه، وإنما يتطلب تأسيس عقد سياسي جديد يحقق الاستقرار، ويحفظ الحريات، ويعيد الثقة في الدولة”.
بناء المؤسسات أهم من تغيير الحكامكما أكد الشعيبي أن أي انتقال سياسي ناجح “لا يقاس بقدرته على تغيير الحكام، وإنما بقدرته على إعادة بناء المؤسسات.
لذلك ينبغي أن تكون المرحلة القادمة انتقالًا محدودًا في الزمن، واضحًا في أهدافه، ومقيدًا بالقانون، بحيث لا تتحول السلطة الانتقالية إلى سلطة دائمة، ولا تصبح الاستثناءات قاعدة للحكم”.
وحدد أولى قواعد المرحلة القادمة بأن “تكون مرحلة انتقالية لا تتجاوز سنتين، تستمد مشروعيتها من الضرورة الوطنية والتوافق بين القوى السياسية والاجتماعية، لا من ادعاء امتلاك شرعية بديلة عن الإرادة الشعبية.
فالأصل في النظام الديمقراطي أن الشعب وحده هو مصدر الشرعية، وكل سلطة انتقالية ليست سوى أداة مؤقتة لتهيئة الظروف الكفيلة بعودة هذه الشرعية إلى أصحابها عبر انتخابات حرة ونزيهة”.
واعتبر الشعيبي أن الالتزام الأول للسلطة الانتقالية يجب أن يكون “احترام حدود اختصاصها وعدم تجاوز المهام الموكولة إليها.
فهي ليست سلطة تأسيسية مطلقة، ولا حكومة سياسية دائمة، وإنما سلطة مقيدة بالقانون، غايتها إنجاز الإصلاحات الضرورية ثم تسليم السلطة كاملة إلى المؤسسات المنتخبة فور استكمال شروط الشرعية الدستورية”.
وتابع: “يقتضي ذلك إعادة بناء النظام الدستوري على أسس أكثر توازنًا.
فالتجربة التونسية بينت الحاجة إلى سلطة تنفيذية أكثر فاعلية، لكنها بينت في الوقت ذاته أن تركيز السلطات في يد جهة واحدة يفتح الباب أمام الاستبداد.
ولذلك فإن المطلوب ليس العودة إلى الصيغ السابقة، ولا الإبقاء على الوضع الحالي، وإنما اعتماد نظام رئاسي متوازن، تحكمه ضمانات دستورية واضحة، ويقوم على الفصل الحقيقي بين السلطات، واستقلال القضاء، وإرساء المحكمة الدستورية باعتبارها الضامن الأعلى لاحترام الدستور”.
وأكد الشعيبي أن الإصلاح الدستوري “لا يكتمل دون إصلاح الدولة نفسها.
فالمرحلة الانتقالية مطالبة بتشكيل حكومة إنقاذ وطني من الكفاءات، تتفرغ لمعالجة الأزمة الاقتصادية والمالية، واستعادة الثقة في الاقتصاد الوطني، وتحسين مناخ الاستثمار، وحماية الفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة، بعيدًا عن الحسابات الحزبية والانتخابية”.
وأضاف: “كما تقتضي إعادة بناء الدولة مراجعة المنظومة القانونية التي تشكلت خلال سنوات الأزمة، وإلغاء أو تعديل كل القوانين والإجراءات الاستثنائية التي مست الحقوق والحريات أو أخلت بالتوازن بين السلطات، بما يعيد الاعتبار لدولة القانون، ويضمن خضوع الجميع لأحكام الدستور”.
وتابع الشعيبي: “في السياق نفسه، يصبح إصدار قانون للعفو التشريعي العام ضرورة وطنية لمعالجة الآثار القانونية للملاحقات ذات الخلفية السياسية، وإعادة الحقوق المدنية والسياسية لأصحابها، بما يساعد على طي صفحة الانقسام.
غير أن هذا العفو يجب ألا يمتد إلى جرائم الفساد المالي أو الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، لأن المصالحة الوطنية لا يمكن أن تقوم على حساب العدالة، كما أن العدالة لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة للانتقام السياسي.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مسار متوازن للعدالة الانتقالية، يقوم على قاعدة واضحة: لا إقصاء، ولا انتقام، ولا إفلات من المحاسبة”.
كما اعتبر أن إصلاح المنظومة الانتخابية يعتبر “أحد أهم شروط نجاح المرحلة القادمة.
فلا يمكن استعادة الثقة في المؤسسات دون هيئة مستقلة للانتخابات تحظى بثقة الجميع، ولا دون قانون انتخابي يحقق تمثيلًا عادلًا، ويضمن في الوقت نفسه الاستقرار السياسي والقدرة على تشكيل حكومات فاعلة”.
ولأن الانتقال الديمقراطي لا ينجح بالقرارات الإدارية وحدها، اعتبر الشعيبي أن تونس “تحتاج أيضًا إلى مجلس وطني للحوار والتشاور يضم القوى السياسية والمنظمات الوطنية والخبراء ومكونات المجتمع المدني، تكون مهمته بناء التوافقات حول القضايا الكبرى، ومرافقة المرحلة الانتقالية، دون أن يتحول إلى بديل عن المؤسسات المنتخبة”.
تونس تحتاج أيضًا إلى مجلس وطني للحوار والتشاور يضم القوى السياسية والمنظمات الوطنية والخبراء ومكونات المجتمع المدنيكما دعا إلى “إعادة ترسيخ حياد مؤسسات الدولة، من خلال إدارة عمومية محايدة، وقضاء مستقل، ومؤسسة أمنية مهنية، وإعلام عمومي يخدم المصلحة العامة لا السلطة القائمة.
فالديمقراطية لا تستقيم إذا أصبحت أجهزة الدولة طرفًا في المنافسة السياسية”.
ولم ينسَ التأكيد على “الدور التاريخي للمؤسسة العسكرية التونسية بوصفها مؤسسة جمهورية محترفة، تتمثل مهمتها في حماية الوطن ووحدة الدولة والمؤسسات الدستورية، وتأمين سلامة المرحلة الانتقالية، دون أي تدخل في التنافس الحزبي أو إدارة الحياة السياسية، مع خضوعها الكامل للسلطة المدنية الشرعية وسيادة القانون.
فحياد الجيش أحد أهم الضمانات لنجاح أي انتقال ديمقراطي”.
واعتبر أن المرحلة الانتقالية “يجب أن تكون محددة منذ البداية.
إذ لا معنى لأي انتقال لا يعرف نقطة وصوله.
ولذلك ينبغي أن تلتزم السلطة الانتقالية بتنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية وبلدية حرة ونزيهة خلال أجلها المحدد، وأن تعيد جميع الصلاحيات إلى المؤسسات المنتخبة فور إعلان نتائجها، لتعود الشرعية كاملة إلى مصدرها الطبيعي: الشعب”.
واعتبر الشعيبي أن تونس اليوم “ليست بحاجة إلى معركة جديدة حول الأشخاص، وإنما إلى توافق جديد حول قواعد الحكم.
فالدول لا تستقر بتغيير الحكومات فقط، وإنما باستقرار المؤسسات، واحترام الدستور، وسيادة القانون، وتداول السلطة بصورة سلمية”.
وختم بقوله: “إن المرحلة الانتقالية ليست نظامًا سياسيًا جديدًا، ولا شرعية بديلة، وإنما جسر مؤقت تعبر به الدولة من الأزمة إلى الاستقرار، ومن الاستثناء إلى الدستور، ومن الانقسام إلى التوافق، ومن الحكم المؤقت إلى جمهورية ديمقراطية تستمد مشروعيتها من الإرادة الحرة للمواطنين.
ذلك هو التحدي الحقيقي الذي ينتظر تونس، وهو الشرط الأساسي لإنقاذ الدولة واستعادة ثقة التونسيين في مستقبلهم”.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك