لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تقاس بعدد الضربات أو اتساع رقعة الأهداف، بل بقدرة كل طرف على إدارة معركة استنزاف طويلة بأقل كلفة ممكنة، فواشنطن تعيد صياغة أدوات الردع، بينما تراهن طهران على عامل الوقت لإفشال الضغوط العسكرية والاقتصادية وإبقاء باب التفاوض مفتوحا بشروط مختلفة.
ويأتي هذا التحول مع استئناف الولايات المتحدة ضرباتها الجوية على أهداف داخل إيران وإعادة فرض الحصار البحري على موانئها، بينما عززت طهران دفاعاتها حول منشأة بوشهر النووية، وأعلنت استهداف قاعدة الأزرق الأمريكية في الأردن، في تصعيد متبادل يعكس انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر تعقيدا.
ويرى الخبير العسكري والإستراتيجي العقيد نضال أبو زيد أن وصف القيادة المركزية الأمريكية الضربات الأخيرة بأنها" فتاكة" يحمل دلالة عملياتية واضحة، إذ يشير إلى انتقال واشنطن من استهداف الأهداف التكتيكية إلى خطة تستهدف شل القدرات الإيرانية، عبر إضعاف منظومات الرصد والقدرات البحرية وإعادة تشكيل مسرح العمليات.
ويشير أبو زيد إلى أن هذا التحول يتجسد أيضا في تصاعد حجم الضربات واتساع نطاقها الجغرافي، بعدما ارتفع عدد الأهداف المستهدفة تدريجيا من 80 إلى 90 ثم 140 هدفا، بالتزامن مع انتقال العمليات من الشريط الساحلي إلى العمق الإيراني، بما يعكس سعيا لتوسيع منطقة الضغط وإرباك الدفاعات الإيرانية.
ومن زاوية سياسية، يرى الباحث في مركز الشرق الأوسط للدراسات الإستراتيجية عباس أصلاني أن واشنطن لا تسعى في هذه المرحلة إلى حرب إقليمية شاملة، بل إلى زيادة الضغوط على إيران لدفعها إلى تقديم تنازلات في ملفي مضيق هرمز والبرنامج النووي، مع الحرص على إبقاء إسرائيل خارج دائرة المواجهة المباشرة.
ويضيف أصلاني أن الأزمة الحالية تعكس أزمة ثقة تراكمت خلال السنوات الماضية، إذ تنظر طهران إلى استئناف الضغوط العسكرية باعتباره امتدادا لتجربة التخلي الأمريكي عن الاتفاق النووي، وهو ما يجعل أي مفاوضات جديدة أكثر تعقيدا، ويقلص فرص الوصول إلى تسوية مستقرة في المدى القريب.
استراتيجية الاستنزاف الأمريكيةأما العضو السابق في الكونغرس الأمريكي توم غاريت، فيعتبر أن إستراتيجية واشنطن ما تزال تنطلق من هدف ثابت يتمثل في منع إيران من امتلاك السلاح النووي، مع تجنب توسيع الحرب، ولذلك تركز الضربات على القدرات التي تهدد أمن الملاحة في مضيق هرمز أكثر من استهدافها مؤسسات الدولة الإيرانية.
ويشير غاريت إلى أن الضربات الأخيرة توحي بأن واشنطن أصبحت تستهدف بصورة متزايدة منشآت الإنتاج والبنية العسكرية التي تمكّن إيران من تهديد الملاحة الدولية، في محاولة لإضعاف قدرتها على مواصلة التصعيد، مع الحفاظ على مستوى ضغط لا يقود إلى مواجهة عسكرية واسعة.
ومن جانبه، يرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة جنيف حسني عبيدي أن المشهد الراهن يعكس مرحلة تستخدم فيها القوة العسكرية لتحسين شروط التفاوض، لا لإنهائه، إذ ما تزال مذكرة التفاهم بين الطرفين تمثل مرجعية يمكن العودة إليها إذا اقتنع الجانبان بأن كلفة التصعيد باتت أعلى من كلفة التسوية.
ويرى عبيدي أن واشنطن انتقلت في المقابل إلى توسيع أدوات الضغط، فلم تعد تعتمد على مضيق هرمز وحده كورقة تفاوض، بل أضافت التلويح باستهداف مواقع نووية غير معلنة، بالتوازي مع تشديد الحصار البحري، في محاولة لإعادة صياغة ميزان الضغط السياسي والعسكري.
ويبرز هذا التحول ميدانيا في اعتماد الولايات المتحدة بصورة متزايدة على أساليب الحرب غير المتناظرة، بعدما أعلنت القيادة المركزية استخدام زوارق مسيرة أحادية الاتجاه في استهداف منشآت بميناء بندر عباس، ضمن تكتيك يتيح إصابة أهداف بحرية عالية القيمة بكلفة تشغيلية أقل.
ويشرح العقيد نضال أبو زيد أن هذه الوسائل تمثل امتدادا لحروب" الجيل السادس"، إذ تدمج الزوارق غير المأهولة مع المسيرات والصواريخ الدقيقة ضمن منظومة استهداف متكاملة، تعتمد مبدأ" البحث والتثبيت والتعقب ثم الاستهداف"، بما يرفع الكفاءة ويخفض حجم الاستهلاك.
ويضيف أن هذا التحول جاء بعد استنزاف كبير للذخائر الدقيقة خلال المواجهة السابقة، ما دفع واشنطن إلى تعديل عقيدتها العملياتية، والانتقال إلى ما يصفه العسكريون بـ" عقلنة الاستهداف"، عبر استخدام وسائل أرخص وأكثر دقة للحفاظ على المخزون الإستراتيجي.
ويتفق غاريت مع هذا التقييم، معتبرا أن البعد الاقتصادي أصبح جزءا أساسيا من الإستراتيجية الأمريكية، إذ تسمح المسيرات والزوارق غير المأهولة بتكثيف الضغوط العسكرية من دون استنزاف الموارد، وهو ما يمنح إدارة ترامب قدرة أكبر على مواصلة العمليات لفترة أطول.
في المقابل، يرى عباس أصلاني أن إيران لا تراهن على التفوق العسكري المباشر، بل على إفشال أهداف الضغوط الأمريكية، عبر الجمع بين الصمود العسكري، واستخدام ملف الطاقة ومضيق هرمز كورقة ضغط، مع السعي إلى منع واشنطن من فرض تنازلات تحت وطأة القوة.
ويحذر حسني عبيدي من أن استمرار هذه المعادلة لن ينعكس على طرفي الصراع فقط، بل سيمتد إلى الاقتصاد العالمي وأمن الخليج، مع ارتفاع احتمالات تعرض الممرات البحرية والبنى الدفاعية لمزيد من الضغوط، وما يرافق ذلك من تداعيات على أسواق الطاقة.
ويعتقد أبو زيد أن الولايات المتحدة تحاول تثبيت نمط جديد من القتال يقوم على تنفيذ ضربات انتقائية منخفضة الكلفة، مع إبقاء إسرائيل خارج المواجهة المباشرة في هذه المرحلة، تجنبا لتحويل الصراع إلى حرب شاملة قد تقوض أهداف واشنطن العملياتية والسياسية.
وفي المحصلة، تبدو المواجهة الحالية أقرب إلى سباق مع الزمن منه إلى حرب تقليدية؛ فواشنطن تختبر قدرة الردع عبر استنزاف محسوب الكلفة، بينما تراهن طهران على إطالة أمد الصراع ومنع خصمها من تحويل تفوقه العسكري إلى مكاسب سياسية أو تفاوضية دائمة.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك